أقول : لكنّ الإنصاف عدم دلالة الآية على مدّعاهم ؛ فإنّ اللّه سبحانه علّق وجوب السعي على الأذان ، فيمكن أن يقال : إنّ تعليق الواجب على إتيان أمر مستحبّ وإن كان أمرا معقولا إلّا أنّه خلاف الظاهر ، فإنّ طبع التعليق المذكور حسب الدلالة العرفيّة هو استحباب المعلّق حينئذ ، - فتأمّل - وإن ناقشنا ذلك وأخذنا بظهور الأمر في الوجوب « 1 » فمفادّ الآية وجوب الصلاة بعد الأذان الذي يتبع رأي إمام الجماعة وقصده « 2 » إمّا وحده أو مع قصد جمع لإقامة الصلاة المذكورة ، وليس في الآية ما يوجب إقامة هذه الصلاة ابتداء على المكلّفين حتّى يكون عقد الجماعة من مقدّماتها ، فتجب لوجوبها ، ومنه يظهر أنّ ما ذكره العلّامة المشار إليها قدّس سرّه لا يخلو عن نوع مصادرة ، فإنّه من أين أثبت أنّ الآية نزلت لوجوب إقامة الصلاة المذكورة وعقد جماعتها حتّى يرجع الإشكال في دلالتها إلى الاعتراض على اللّه سبحانه وتعالى ( نعوذ باللّه منه ) ، بل الآية - حسب دلالتها - نزلت لوجوب اللحوق بالجماعة ، وإيقاع الصلاة بعد قصد من يعقد الجماعة .
وبعبارة واضحة ، الآية تدلّ على وجوب الحضور في صلاة الجمعة التي نودي بها من قبل من يقيمها من المؤمنين من الإمام والمأمومين ، ولا أقّل من قبل الإمام القاصد لها ، لا على وجوب الإقامة ابتداء على الناس . نعم ، وجوبها الابتدائي كبقيّة الصلوات أمر ووجوب الحضور بعد الإقامة أمر آخر ، والمدّعى هو الأوّل ومدلول الآية هو الثاني ، فتدبّر .
نعم ، يدلّ بعض الروايات الصحيحة على أنّ صلاة الجمعة كانت فريضة على النبيّ صلّى اللّه عليه واله ، لكنّ الآية الكريمة لا دلالة له على ذلك .
وأمّا ما أجاب الشهيد الثاني قدّس سرّه بأنّه إذا ثبت بالأمر أصل الوجوب حصل المطلوب ؛ لإجماع المسلمين قاطبة فضلا عن الأصحاب ، على أنّ الوجوب غير مقيّد بالأذان
و
هامش
( 1 ) . ربّما يمنع كون الأمر للوجوب ، فإنّ السعي هو الإسراع في المشي وهو غير واجب ، بل الواجب إدراك الصلاة ، لكن الظاهر أنّ السعي كناية عن إدراك الصلاة وعدم فوتها ، فإنّ وقتها ضيق ليس كوقت صلاة الظهر . ثمّ إنّ في تحديد وقت صلاة الجمعة أقوالا خمسة .
( 2 ) . فإنّ العادة قاضية بائتمار المؤذّن لأمر غيره من الإمام ونحوه ، وليس له الاختيار في أن يؤذّن للجمعة دون الظهر أو العكس ، ولا يحتمل - ثبوتا - تعلّق الوجوب على مجرّد نداء مؤذّن كائنا من كان .