المسألة الأولى : قال صاحب المدارك قدّس سرّه في محكيّ كلامه :
قد قطع الأصحاب وغيرهم بأنّ الواجب وضعه في حفيرة تستر عن الإنس ريحه ، وعن السباع بدنه بحيث يعسر نبشها غالبا ، انتهى .
واستدلّ عليه - مضافا إلى الاتّفاق المذكور - بأنّ المنصرف من الدفن هو ذلك لا مطلق مواراته ، بل الواجب مواراته المطلقة .
وتنظّر فيه صاحب الجواهر قدّس سرّه ؛ إذ لم يثبت للدفن حقيقة شرعيّة ولا مجاز شرعيّ ، وتأمّل في دعوى ثبوت الإجماع لخلوّ كثير من كلمات الأصحاب لذلك ، وقال :
لم أعثر على من ادّعاه قبل سيّد المدارك ، لكن لا يظهر منه الاكتفاء بمطلق المواراة غير المانعة عن الشمّ ريحه ، وعن السباع بدنه ، كما نسبه إليه غير واحد ؛ إذ قال في آخر كلامه : فلذا كان الاجتزاء بمسمّى الدفن مع الأمن من ذينك الأمرين من غير الحفيرة لا يخلو من قوّة ، انتهى .
وهذا ممّا لا بأس بالالتزام به ؛ فإنّه إذا فرض مكان لم يكن فيه للإنس والسباع ممرّ لا بأس بمطلق المواراة .
نعم ، إن أراد كفاية المواراة التي يظهر ريح الميّت معها فهو ضعيف . ففي حسنة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام : « إنّما أمر بدفن الميّت لئلّا يظهر الناس على فساد جسده ، وقبح منظره ، وتغيّر رائحته ، ولا يتأذّى الأحياء بريحه ، وما يدخل من الآفة والفساد . . . » . « 1 »
المسألة الثانية : لا بعد في كفاية مواراته في جدار عريض يقبل الحفر وإن لم يصدق عليه الأرض ، وما قيل من أنّ المواراة في الأرض قد أخذت في مفهوم الدفن عرفا غير معلوم .
نعم ، لا يكفي وضعه في بناء أو تابوت ونحو ذلك ؛ لعدم الصدق . وإذا تعذّر جاز ، بل وجب لما مرّ من أنّ حرمة المؤمن ميّتا كحرمة المؤمن حيّا ، ولا يحتمل جواز إلقائه على الأرض إذا لم يمكن الدفن .
هامش
( 1 ) . المصدر ، ج 1 ، ص 819 . وفي الدلالة نظر ؛ لاحتمال اعتبار الثلاثة معا ، لا كلّ واحد .