وجوبه تأمّل ، بل الأظهر عدم الجواز ؛ لأنّ إلزام المكلّف بالدفاع عن الغير حتّى الموت عسر وحرج وهما منفيّان في الشريعة - فتأمّل - فإذا لم يجب لم يجز أيضا ؛ لقوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ .
وأمّا وجوبه لأجل المال سواء كان له أو لغيره ، فلم أجد دليلا عليه . نعم ، إذا وجب حفظه كالوديعة وجب الدفاع مقدّمة بالمقدار المتعارف .
128 . دفع الضرر المحتمل
يجب دفع الضرر المعلوم والمظنون والمحتمل بحكم العقل ، بل بحكم الغريزة أيضا ، كما يشاهد من أحوال المجانين والحيوانات في تجنّبهم عن المضارّ ، وهذا واضح .
وهذا الحكم ( وجوب دفع الضرر ولو احتمالا ) هو الأساس لوجوب النظر في دعاوي الأنبياء ، وفي وجود اللّه تعالى ، كما ذكرناه في علم الكلام .
وهذا هو المنشأ لوجوب التقليد والاجتهاد والاحتياط على نحو التخيير ، ولوجوب تعلّم الأحكام التي هي محلّ ابتلاء المكلّف ، ولوجوب الاحتياط في الشبهات المحصورة إلى حدّ الموافقة القطعيّة ولغيرها .
واعلم ، أنّ الضرر إمّا عقاب أخروي ، وإمّا ضرر دنيوي ، وهو يرجع إمّا إلى البدن أو إلى المال ، أو إلى العرض .
أمّا العقاب ، فيجب دفعه وإن كان محتملا ، ولا بدّ من تحصيل المؤمّن منه ، وهذا ممّا لا إشكال فيه من جهة حكم العقل .
وأمّا ضرر النفس وإزهاق الروح ، فيجب دفعه بحكم العقل وإن كان محتملا احتمالا معتدّا به عند العقلاء ، وإذا ضعف الاحتمال عندهم ، فلا يجب ، كما في الركوب على السفن والطائرات والأقمار الصناعيّة ، وفي غيره من الأفعال الرائجة عندهم .
وأمّا نقص العضو المهمّ كالعين واللسان واليد مثلا ، فكذلك يجب دفعه ولو احتمالا فهما من مذاق الشرع بالارتكاز .