إذا كان دفنها قريب عهد بالإخراج ، على أنّه يبعد كلّ البعد أن يحضر رجل مسافر دارا نزل فيها بمكّة بمقدار يصدق على ما يجد فيها عنوان الكنز ، مع أنّ الرواية وردت في قضيّة خاصّة لا إطلاق لها بوجه ، بل قول الراوي : « ولم يذكرها حتّى قدم الكوفة » يشعر أو يدلّ على إمكان إيصال المال إلى صاحبه ؛ إذ لو كان الراوي يعتقد الكنز كان عالما بفقدان مالكه ، فلا معنى للاعتذار بالنسيان ، وعدم الذكر ومن القرائن على عدم كون المال من الكنز هو أنّ الدراهم حدثت في زمان الأئمّة ولم تكن رائجة قبل الإسلام حتّى يصدق عليها كنز - فافهم - فالعمدة الصحيحة الأولى ؛ فإنّها بإطلاقها تشمل الكنز ، وظاهرها أنّ الكنز في الدار محكوم بالملكّية لأهل الدار ، سواء كان مالكا لها أو مستأجرا أو ساكنا مجّانا ، ولا وجه لانصراف قوله : « فيها أهلها » إلى المالك كما لا يخفى ، بل قضيّة الإطلاق لزوم دفع الكنز إليه مع العلم بعدم كونه له فهو هبة إلهيّة له ، ولذا لم يفرض الإمام صورة إنكار الأهل له أو علم الواجد بعدم كونه لأهل الدار ، فهو من توابع الدار وحقّ من سكنها .
نعم ، إذا علم بوجود مالكه يجب دفعه إليه لانصراف الرواية عن هذا الفرض جزما ، وأمّا إذا كانت خربة لا أهل لها ، فهو لواجده وإن أيقن أنّه كان لمسلم واحتمل بقاء بعض ذرّيّته إلى هذا الوقت . فالنتيجة أنّ هذا الفرض ( فرض كون الكنز في الدار ) يخالف الفروض السابقة في الحكم ، وأنّه لأهل الدار دون الواجد .
وهذا هو مختاري وإليه أذهب ، غير أنّني أوصي أهل الدار إذا كان مستأجرا أو مستعيرا أن يصالح مع مالك الدار من باب الاحتياط الواجب ، واللّه العالم .
ويمكن أن نقول : بملاحظة صحيحتي : محمّد بن مسلم ومعتبرة إسحاق بن عمّار وموثّقة محمد بن قيس مع ملاحظة الاعتبار العقلائي أنّه إذا وجد المال في الدار وفيها أهلها فعلى الواجد أن يعرّفه إلى أهل الدار ، فإن عرفوه فهو لهم ، وإن لم يعرفوه أو علم أنّ المال ليس لهم يتصدّق به ؟ ويحتمل أنّه هبة من اللّه لأهل الدار فهو لهم مطلقا ، وإن وجده في خربة لها أهل فهو لهم لكن يستحبّ له أن يعرّفه ، فإن وجد من يعرفه وإلّا تمتّع به وبه يجمع بين تلكم الروايات .
حدود الشريعة — صفحة 285
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٢٨٥