العقل أيضا ؛ فإنّه يقبح أخذ مال الغير غصبا وسرقة وخيانة ، والجامع « أكل مال الغير » من دون طيب نفسه ؛ لكونه ظلما وعدوانا في الجملة ، فليس الإسلام شرطا لحرمة التصرّف ، بل الكفر مانع عنها ، فما لم يحرز ذلك كان الحكم هو المنع عقلا .
ثانيهما : الظواهر النقليّة الدالّة على الحرمة المذكورة على نحو المطلق ، كقوله تعالى :
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ . . . .
وقوله تعالى :
لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ،
وقوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .
وقوله تعالى :
وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا
وقوله تعالى :
لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ ،
وقوله تعالى :
وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ،
وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ .
وغير ذلك .
وتؤكّده الروايات الواردة في موضوع القصاص ، كما ذكرنا بعضها في سادس مستثنيات حرمة أكل مال الغير في الجزء الأوّل .
وقد ورد بسند معتبر « 1 » عن مولانا صاحب الزمان ( عجّل اللّه تعالى فرجه ) :
« . . . فلا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه ، فكيف يحلّ في مالنا . . . » ، ولا يقيّد إطلاقه بما دلّ على حرمة مال المسلم أو المؤمن ؛ لعدم المنافاة بينهما ، كما لا يخفى .
ولا يصحّ دعوى انصراف لفظ « الغير » في الرواية إلى المسلم ؛ لأنّها فاقدة عن الدليل ؛ ولأنّ المراد من لفظ « أحد » هو كلّ إنسان مكلّف قطعا ، فيكون المراد من كلمة « غيره » أيضا كلّ أحد مسلم وغير مسلم « 2 » .
لا يقال : العموم أو الإطلاق مخصّص أو مقيّد بالحربيّ والناصبيّ مثلا ، فالتمسّك به عند الشكّ من التمسّك به في الشبهة المصداقيّة ، والمشهور اليوم على خلافه ؛ فإنّه يقال : نعم لولا استصحاب عدم الكفر الموجب لالتئام موضوع الحرمة وهو الأحد غير
هامش
( 1 ) . راجع : خمس أرباح المكاسب في هذا الجزء ، وتوهّم جمع ضعف الرواية سندا توهّم خاطئ .
( 2 ) . ولذا لا يظنّ بفقيه يجوّز أخذ مال إنسان موجود حاضر أو غائب فعلا لم يعلم كفره وإيمانه تعويلا على أصالة عدم إسلامه !