تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدود الشريعة — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
هذا ما عندي في هذا المقام ، واللّه عالم بحقيقة الحال . وعلى كلّ ، قد استثني من الحكم المذكور ( أي وجوب حفظ النفس المحترمة ) موارد ثلاثة : أوّلها : ما إذا شرط الكافر في الجهاد أن لا يقاتله غير المسلم المقاتل ؛ فإنّه واجب الوفاء بلا خلاف يجده صاحب الجواهر إلّا من ابن الجنيد . ومعنى هذا الوجوب عدم جواز الدفاع عن المؤمن ، وعدم وجوب حفظ نفسه وإن حصل العلم بقتله بيد الكافر ، وهذا ممّا يمكن فهمه من السيرة الخارجيّة المنقولة عن الحروب الدينيّة في صدر الإسلام ويشير إليه إطلاق الاستثناء في قوله تعالى في الجملة :
وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ
« 1 » ولاحظ عنوان « النصر » في الجزء الثاني وهو المورد الثاني من الاستثناء . فلاحظه . ثالثها : هل يجب إرضاء ورثة المقتول للعفو عن القاتل المسلم أو المؤمن ولو بإعطاء الدية لهم ؟ الصحيح عدم الوجوب ، كما يفهم من السيرة المتّصلة بزمان النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه واله ، بل لو علم المكلّف خلاص القاتل بمجرّد الشفاعة إلى ورثة المقتول لم يجب وإلّا لبان واشتهر وحيث لا فلا . ثمّ إنّه لا شكّ في وجوب حفظ نفس المكلّف عليه أيضا لعين ما مرّ هناك ، ولأجله ذهب جماعة من الفقهاء إلى وجوب حفظ القاتل نفسه من القصاص بإرضاء ورثة المقتول ولو ببذل الدية « 2 » . وربّما نسب إلى المشهور عدم وجوب حفظ النفس في مثل المقام ، وأنّ للقاتل عدم بذل الدية وتمكين ورثة المقتول من قتله . أقول : ولعلّه غير بعيد ؛ إذ لو كان هو واجبا لاشتهر وذاع وبان ، حيث لا - حتّى في مورد واحد ، فإنّا لم نر أمرا من النبيّ الأكرم أو أحد الأئمّة توجّه إلى القاتل بوجوب بذل الدية وحفظ نفسه - فلا .
هامش
( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 72 . ( 2 ) . راجع : جواهر الكلام ، ج 42 ، ص 280 .
حدود الشريعة — صفحة 228 | الشيخ محمد آصف المحسني