موتها أيضا إذا لم يجز لها الفرار منه بإسقاط حملها ، وهذا أمر وجداني .
ويمكن أن يؤيّده أيضا بأنّ قتل الحمل في مفروض البحث لا يعدّ ظلما وزورا عند العقلاء ، بل يرونها محقّة فيه ، وأنّ لها الحقّ ، فيشمله قوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
« 1 » إلّا أن يدّعى أنّ المعهود من مثل هذا الحقّ في الشريعة هو القصاص والحدّ لا غير لكنّه غير مدلّل ، فتأمّل .
وهنا اعتراض آخر يخطر بالبال وهو أنّ بناء الفقهاء ليس على إجراء قاعدتي « الحرج » و « العسر » لرفع حرمة الزنا واللواط والسحق فضلا لرفع حرمة قتل النفس ، كما ذكرنا ذلك في الفائدة الثالثة من خاتمة الجزء الأوّل من هذا الكتاب .
وجوابه أوّلا : أنّ الحرج في المقام هو احتمال تلف النفس دون سائر أقسام المشقّة .
وثانيّا : أنّ قتل الحمل ليس كقتل سائر النفوس الحيّة ، ولذا لم يفت أحد - فيما أعلم - بوجوب القصاص في حقّ من قتله متعمّدا ، وإنّما اكتفوا بالدية الكاملة .
ويمكن أن نستدلّ عليه أيضا بأنّ المورد يدخل في باب التزاحم بين الحكمين وهما وجوب حفظ نفسها ووجوب حفظ حملها ، أو حرمة إلقاء نفسها في التهلكة ، وحرمة قتل حملها ، وحيث لا ترجيح لإحدى النفسين على الأخرى تتخيّر الأمّ بينهما ، فلها قتل حملها ، ولها اختيار موتها وحفظ حملها ، بل الصحيح تعيين الأوّل عليها ، وعدم جواز الثاني لها ؛ لأنّها - لكونها مسلمة مؤمنة - أهمّ من نفس ولدها ، وكون ولد المؤمن بحكم المؤمن - لو سلّم - لا ينافي ما ذكرنا ؛ فإنّ المؤمن الواقعي أهمّ من المؤمن الحكمي ، على أنّه في مثل الحمل غير مسلّم ؛ لعدم دليل قويّ عليه . ووجوب الدية الكاملة على قتله معارض بعدم تشريع قصاص قاتله .
نعم ، لا يجوز إتلافه في غير فرض الكلام بدلائل مرّت في بيان المحرّمات ، لكن يشكل بأنّ تلف نفسها غير معلوم حتّى يجب عليها قتل حملها ، فلعلّ اللّه تعالى قدّر موت حملها ؟ فكيف يجوز لها قتله ؟ فتأمّل فيه ؛ فإنّا قد أجبنا عنه في الدليل الأوّل ، والعمدة هو الدليل الأوّل .
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 33 .