وأمّا المورد الثاني ، فإن علم الطبيب الماهر الأمين مثلا أنّه لو لم يقتل أحدهما لماتا كلاهما ، فالظاهر جواز قتل أحدهما له ، وهذا ممّا يعلم من مذاق الشرع ، وبناء العقلاء .
وأمّا بحسب الأدلّة اللفظيّة ، فالمقام لا يخلو عن إشكال ؛ فإنّ المتيقّن من وجوب حفظ النفس إنّما هو غير هذا الفرض .
وإن علم بموت أحدهما إذا لم يتدخّل ، فالظاهر عدم جواز التدخّل للغير ، ولزوم انتظار قضاء اللّه تعالى كما ذكره الجماعة ؛ لعدم دليل على جواز قتل أحدهما مقدّمة لحفظ الآخر ؛ فإنّ عمدة الدليل على الجواز في المورد الأوّل هو نفي الحرج غير الجاري في المقام ، كما هو ظاهر . إذ لا حرج في حقّ الأجنبيّ ، بل إذا كان قتل الحمل حرجيا بالنسبة إلى أبيه مثلا لا يجوز له قتل زوجته الحامل ؛ لتناقض قاعدة نفي الحرج في المقام وعدم صحّة إجراء القاعدة لرفع حرمة قتل مؤمن آخر .
نعم ، إذا كان قتل الأمّ حرجيا بالنّسبة إلى ثالث ، كأب ، أو أمّ ، أو أخ لها جاز له قتل الحمل ؛ لما عرفت من عدم شمول القاعدة له ، كما يجوز له وللحامل إجارة الكافر أو المسلم الجاهل الغافل ، بل العالم بحرمة قتل الحمل إذا كان غير مبال بالأحكام الشرعيّة وغير مقيّد بقيودها وحدودها ، كجملة من أطبّاء عصرنا ، لقتل الحمل .
فإن قلت : التوكيل المذكور إعانة على الظلم ، فيحرم .
قلت : المفروض جواز قتل الحمل للموكّل ، فلا يكون ظلما حتّى يكون التوكيل إعانة عليه . نعم ، هو إعانة على الحرام ؛ فإنّ الوكيل الأجنبي لا يجوز له قتل الحمل ، إلّا أنّه لا دليل على حرمة الإعانة على الحرام ، كما سبق في بحث المحرّمات . وعلى تقديره لا مانع من تخصيصها وليست بأشدّ من حرمة قتل النفس حيث خصّصناه بقاعدة الحرج وحكومتها .
وهنا احتمال آخر وهو جواز قتل الحمل للثالث مطلقا وإن كان أجنبيّا لم يحصل له حرج من موت الأمّ ، وذلك لما أسلفنا من أهمّيّة المسلم على غير المسلم - حتّى بنحو السلب ، والإيجاب دون الملكة وعدمها - فيتلف الحمل امتثالا ؛ لوجوب حفظ أمّه المسلمة في فرض خوف تلفها واحتمال فوتها ؛ فتدبّر فيه .
حدود الشريعة — صفحة 227
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٢٢٧