البحث في شيء .
الموضوع الثالث : الظاهر من الأوامر الواردة في القرآن الكريم لزوم جهاد الكفّار كلّما أمكن ، واحتيج إليه بحسب القوّة والاستعداد فليس لتحديده قلّة وكثرة حدّ معين .
وأمّا ما قيل من أنّ أقلّ ما يفعل الجهاد في السنة مرّة ، بل عن بعض المحقّقين دعوى الإجماع عليه . واستدلّ عليه بعضهم بقوله تعالى :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
باعتبار تعلّق وجوبه على الانسلاخ ، فيجب كلّما وجد الشرط ، ولا يتكرّر بعد ذلك بقيّة العام ؛ لعدم إفادة الأمر المطلق التكرار فضعيف ، والأمر المعلّق بالانسلاخ لرفع الحظر والمنع الثابت بحلول الأشهر الحرم ، لا لإفادة الوجوب المشروط بوجود شرطه ، وبقاء موضوعه غير دلالة الأمر المطلق على التكرار « 1 » .
الموضوع الرابع : قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
« 2 » .
ويتّجه هنا سؤال وهو أنّ النبيّ لم يجاهد المنافقين ولم يقاتلهم . وجوابه أنّ الجهاد هنا ليس بمعنى المقاتلة ، كما في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
« 3 » وقوله تعالى :
وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما
« 4 » وقوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
« 5 » فتدبّر . وفي صحيح أبي بصير عن الباقر عليه السّلام : « جاهد الكفّار والمنافقين بإلزام الفرائض » « 6 » .
أقول : الجهاد إنّما شرعت لنشر الإسلام ، ورفع ما يمنع عنه ، والمنافق حيث يقرّ بلسانه أنّه مسلم ومطيع للإسلام ويتظاهر به ، لا يبقى سبيل لقتله وجهاده ، ولعلّه لأجله لم يجاهد النبيّ معهم ، فكأنّ معنى الآية ما سبق . وأمّا تفسيره . ب « جاهد الكفّار
هامش
( 1 ) . جواهر الكلام ، كتاب الجهاد .
( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 73 ؛ التحريم ( 66 ) : 9 .
( 3 ) . العنكبوت ( 29 ) : 69 .
( 4 ) . العنكبوت ( 29 ) : 8 .
( 5 ) . الحج ( 22 ) : 78 .
( 6 ) . البرهان ، ج 2 ، ص 145 .