بالظهور دون الإيماء والإشعار ، ولا شكّ في عدم ظهور للآية في كون الحكم المذكور مؤجّلا .
وأمّا الثالث ، فهو خلاف ظاهر الآية الدالّة على وجوب الجنوح للسلم على المسلمين بمجرّد جنوح الكفّار لها .
أمّا الأوّل ، فأورد عليه بأنّ آية السيف خاصّة بالمشركين دون غيرهم ، ومن هنا صالح النبيّ صلّى اللّه عليه واله نصارى نجران في السنة العاشرة من الهجرة مع أنّ سورة براءة نزلت في السنة وعليه ، فتكون آية السيف مخصّصة ، لعموم الحكم في الآية الكريمة وليست ناسخة لها .
وجوابه عدم انحصار الناسخ في آية السيف حتّى يقال باختصاصها بالمشركين فقط ، بل قوله تعالى :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . . .
« 1 » وغيره من المطلقات أيضا يصلح ناسخا له ، لكنّ دعوى النسخ غير واضحة .
وقد يقال في الجواب : إنّ إطلاق الآية الشريفة وإن شمل صورتي : تمكّن المسلمين من الحرب ، وعجزهم عنها إلّا أنّه لا بدّ من تنزيله على الثانية ، والرجوع في الأولى إلى المطلقات الدالّة على مقاتلة الكفّار وجهادهم وقتلهم ، والوجه في التقييد قوله تعالى :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ
« 2 » ، فإنّ قوله :
تَدْعُوا
عطف على قوله تعالى :
تَهِنُوا
وحرف « و » في قوله تعالى :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
حالية ، والمراد بالعلوّ - ظاهرا - الغلبة ، أي فلا تدعوا إلى السّلم في حال قوّتكم وغلبتكم على الكفّار ، فافهم « 3 » .
هامش
( 1 ) . استدلال بهذه الآية بلحاظ آخرها مشكل .
( 2 ) . محمد ( 47 ) : 35 .
( 3 ) . وجهه أنّ كون حرف « و » للحال دون الاستئناف غير ظاهر ، بل قوله :وَاللَّهُ مَعَكُمْيلائم الاستيناف كما لا يخفى على المتدبّر ، فالمقام مشكل لا بدّ من علاجه بوجه مقنع ، وهنا شيء آخر وهو أنّ المنهيّ في الآية هو الدعوة إلى السلم وهذا ظاهر في الدعوة الأبتدائيّة دون إجابة دعوة الكفّار ، وهذا ممّا لم يلتفت إليه أحد فيما أعلم وقد ذكرناه في كتابنا : جهاد الإسلامي .
أقول : وهنا جواب آخر يخطر بالبال وهو أنّ هذه الآية يرتبط بما قبلها من الآيات ، فتكون هناك شرطيات ثلاث تبيّن حال الكفّار المعاهدين في النقص والوفاء .الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ . . .( الأنفال ( 8 ) : 56 ،فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ-