66 . الجنوح للسلم
قال اللّه تعالى
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ . . .
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
« 1 » .
يظهر من الآية عدم وجوب محاربة الكفّار إذا مالوا إلى السلم والصلح ، بل يجب « 2 » علينا الميل إلى السلم حينئذ ، وبهذه الآية يقيّد جميع ما دلّ على وجوب الجهاد والمقاتلة ، وقتل الكفّار من المطلقات ، فيجب الجهاد والمقاتلة إذا لم يمل الكفّار إلى المسالمة والمتاركة ، وعدم التعرّض ووقف إطلاق النار ، وإلّا فلا يجوز ، بل يجب الجنوح إلى السلم ، وهذا المعنى - وإن لم يكن مشكلا من جهة الجمع بين المطلق والمقيّد إلّا أنّه من جهة ما هو المعلوم من مذاق الشرع خارجا في غاية الإشكال .
وأمّا ما في بعض الروايات من تفسير السلم بشيء آخر ، فمع فرض صحّة سنده « 3 » ناظر إلى بيان بعض المصاديق ، ولا ينافي ما نحن بصدده من ظهور الآية في مدلولها .
ونقل عن جمع ، كابن عبّاس ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم ، وعطاء ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة نسخ هذه الآية بآية السيف « 4 » .
ويقول بعض المفسّرين الأعلام من المعاصرين رحمه اللّه : « والآية لا تخلو عن ايماء إلى كون الحكم مؤجّلا حيث قال :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
« 5 » » .
ونقل الرازي في تفسيره عن بعضهم : « إنّ الآية تضمّنت الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه » .
أقول : أمّا القول الثاني ، ففيه « إنّا لم نفهم الإيماء المذكور » ، وعلى تقديره ، فالعبرة
هامش
( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 60 و 61 .
( 2 ) . يمكن أن يحمل الأمر على الإباحة دون الوجوب بدعوى وقوعه عقيب الحظر ولزوم الجهاد ، لكنّه مشكل .
( 3 ) . البرهان ، ج 2 ، ص 91 .
( 4 ) . لاحظ : المنار ، والتفسير الكبير للفخر الرازي ، وتفسير ابن كثير وغيرها .
( 5 ) . الميزان ، ج 9 ، ص 131 .