تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدود الشريعة — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وثانيتهما : بعد توبته بالرجوع عليه بقبول التوبة ، ويشير إلى الأولى قوله تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا .
« 1 » ثمّ التوبة على العبد واجبة إمّا عقلا وشرعا ، أو عقلا فقط . وأمّا على اللّه تعالى ، فالتوبة الثانية واجبة من جهتين : من جهة إخباره بأنّه يقبل التوبة حتى أطلق على نفسه
قابِلِ التَّوْبِ
واللّه تعالى لا يخلف وعده ، ومن جهة تصريحه بوجوبها على نفسه في الجملة في قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ . . . ؛
إذ كلمة « على » تفيد الوجوب كما في قوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ،
وأمّا التوبة الأولى ، فبناء على وجوب اللطف عليه تعال فهي أيضا واجبة عليه تعالى ، لكن ذكرنا في علم الكلام ما يضعف دليل قاعدة اللطف الواجب . الجهة العاشرة : قال اللّه تعالى :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً .
« 2 » أقول : المستفاد من الآية تبديل سيّئات الذين رجعوا عن كفرهم وآمنوا وعملوا صالحا حسنات ، فلا دلالة على أنّ توبة المؤمنين توجب تبديل سيّئاتهم حسنات ، كما توهّم بعض الأفاضل ، لكنّ الظاهر من الروايات الواردة حول الآية « 3 » شمولها للمؤمنين أيضا ، وأنّ اللّه يبدّل سيّئاتهم حسنات يوم القيامة برحمته وفضله ، إلّا أنّه ليس فيها بسند معتبر ما يدلّ على ذلك في حقّهم ، بل مع فرض توبة المؤمنين لا يبقى سيّئة لهم في القيامة حتّى تتبدّل بالحسنة ، فشمول الآية لهم من التأويل . ولعلّ مراد الآية قلب السيّئات حسنات في الحياة الدنيا . وفي كيفيّة التبديل المذكور في الآية أقوال : فقيل : « إنّ اللّه يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم ، فيبدّل الكفر إيمانا ، والقتل بغير حقّ جهادا وقتلا بالحقّ ؛ والزنا عفّة وإحصانا » .
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 118 . ( 2 ) . الفرقان ( 25 ) : 70 . ( 3 ) . البرهان ، ج 3 ، ص 174 .