وقد روى محدّثو الإماميّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام أحاديث متكثّرة في أنّه لا تقبل التوبة عند ظهور الموت ، وعلاماته ، ومشاهدة أهواله « 1 » .
أقول : وفي صحيح جميل ، قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : « إذا بلغت النفس هاهنا - وأشار بيده إلى حلقه - لم يكن للعالم توبة » ثمّ قرأ
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ . . .
« 2 » » .
أقول : لا يبعد انصراف الآية
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ . . .
في نفسها إلى العالم ، فلا تنفي قبول توبة الجاهل عند الموت ، وهذه الرواية نعمت المؤيّده عليه ، وعلى هذا ، فمن التفت حين حضور الموت إلى أنّ أعماله كانت سيّئة وهو كان جاهلا بحرمتها صحّت توبته ، وإنّما المردود حين حضور الموت توبة العاصي العالم بمعصيته .
لا يقال : إنّ الجاهل لا يستحقّ العقاب حتّى يحتاج إلى التّوبة ؛ فإنّه يقال :
أوّلا : أنّ أثر التوبة لا ينحصر في إسقاط العقاب ؛ إذ لعلّها تؤثّر في تحلية النفس وإشراق الباطن ، فهي من التكامل المخلوق له الإنسان .
ثانيا : إنّما لا يستحقّ العقاب الجاهل القاصر ، وأمّا المقصّر ، فهو كالعامد في استحقاق العقاب وإن كان العالم أسوأ حالا منه ، فلهذا يقبل توبته دون العالم حين المعاينة .
5 . توقّف المغفرة والرحمة على التوبة والإصلاح معا دون مجرّد التّوبة ، كما يستفاد من الآيتين الأخيرتين ، ومثلهما قوله تعالى :
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ
« 3 » وغيره وهو كثير في القرآن ، ولا يبعد تقييد بعض الآيات المطلقة بهما ، كقوله تعالى :
. . . ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وقوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وبالمقيّدات الكثيرة المذكورة ، لكنّ الكلام في معنى الإصلاح المذكور وهو يحتمل وجوها :
هامش
( 1 ) . الأربعين ( للبهائي ) ص 337 ، ذيل ح 38 .
( 2 ) . البرهان ، ج 1 ، ص 353 ؛ بحار الأنوار ، ج 6 ، ص 32 . وكانت للجاهل توبة ، لكن مصدر الرواية لم يصل إلى المجلسي بسند معتبرة مناولة ، فتصبح الرواية غير معتبرة ، نعم ، هي مؤيّدة وإن لم تكن بحجّة .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 39 .