تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدود الشريعة — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وعلى الجملة ، لا شكّ في كفاية التوبة لإسقاط استحقاق العقاب ومحو أثر المعصية السابقة فيما يرجع إلى حق اللّه جلّ جلاله من جهة إخباره تعالى تفّضلا ( لا عقلا ) في جميع الموارد المتقدّمة ونظائرها ، كما مرّ وجهه في الجهة السابقة ، وإنّما الكلام في كفايتها لإسقاط ما يرجع إلى حقّ الناس حتى بعد عدم التمكّن من استرضائهم . وأعلم ، أنّ اللّه تعالى هو مالك الناس ، وله الأمر والحكم كيف يشاء ، ويجوز له تعالى عقلا العفو عن حقوق الناس ، وليس فيه أيّ محذور عقليّ ، خصوصا إذا عوّضه من قبله وأرضاه ، فإذا أمكن ذلك ثبوتا يمكن أن نقول به إثباتا ؛ لإطلاق جملة من الآيات والروايات الدالّة على كفاية التوبة عن الذنب ، وعدم مقيّد يقيّدها بحقّ اللّه سبحانه وحده ، وهو رفع استحقاق العقاب ، بل مقتضاها إسقاط حقوق الناس أيضا ، إلّا ما خرج بالدليل كردّ الأموال عينا أو مثلا وقيمة ، وكتمكين الغير من إقامة الحد على نفسه ، ونحو ذلك ؛ ولقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ .
« 1 » فإنّ المستفاد منه أنّ العذاب ليس مترتّبا على مجرّد عذاب المؤمنين والمؤمنات ، بل عليه وعلى عدم التوبة ، فإذا تاب الفاتن فلا يعذّب وإن لم يعتذر إلى المظلوم ولم يسترضيه ، كما هو قضيّة إطلاق الآية ، إلّا أن يناقش فيه باختصاص الآية بالكفّار ، وعدم شمولها للمؤمنين . ومن الظاهر أنّ توبة الكافر هو إيمانه وقد اشتهر « أنّ الإسلام يجبّ ما قبله » ، وعليه السيرة أيضا ، بل صحيحة زرارة تدلّ على عدم كفاية التوبة في حقوق الناس وأموالهم ، فقال الباقر عليه السّلام فيها : « ما من أحد يظلم مظلمة إلّا أخذه اللّه بها في نفسه وماله ، فأمّا الظلم الذي بينه وبين اللّه ، فإذا تاب غفر له » . « 2 » فإنّ الظاهر منه أنّ التوبة إنّما تؤثّر في محو ذنوبه التي لا ترجع إلى الناس ، بل هي
هامش
( 1 ) . البروج ( 85 ) : 10 . ( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 338 .
حدود الشريعة — صفحة 132 | الشيخ محمد آصف المحسني