لا شكّ في كفاية مجرّد النّدم والعزم في القسم الأوّل على ما هو مقتضى الإطلاقات . وأمّا القسمان الأخيران ، فعن غير واحد اعتبار إتيان التابع فيهما في صحّة التوبة ، وذهب بعضهم إلى عدم اعتباره فيهما ، والصحيح هو التفصيل وملاحظة الموارد ؛ فإنّها مختلفة في ذلك ظاهرا ، فإذا لم يتوقّف صدق التوبة على إتيان التابع ، فالحقّ هو عدم الاعتبار ، كما أفاده العلّامة في شرح التجريد أوّلا ، وتبعه البهائي وصاحب الجواهر وغيره ؛ لعدم مقيّد لتلكم الإطلاقات ، فمن لا يقضي صلاته الفائتة ويتوب من ترك صلاته في وقتها ، تصحّ توبته من ذلك وإن كان عاصيا بترك القضاء ، وقس على هذا غيره .
وإذا توقّف صدق التوبة عن المعصية على إتيان التابع ، كما إذا تاب عن ترك الحجّ ، وإمساك الزكاة وغصب مال الغير ، والحال أنّه يقدر فعلا على إتيان الحجّ ، وأداء الزكاة ، وردّ مال الغير عينا ، ففي هذه الصورة لا يتحقّق التوبة عن المعصية بدون إتيان التابع ، وليس هذا عند الدقّة من التخصيص بشيء ؛ إذ مع ترك التابع لا رجوع عن المعصية .
الجهة السادسة : هل يكفي في إسقاط حق الغير مجرّد التوبة أم لا بدّ معه من الاستحلال منه ؟ وإليك بعض موارد البحث :
1 . القذف ، فهل يكفي للقاذف في إبراء ذمّته عند اللّه سبحانه مجرّد التوبة أو لا بدّ من استرضاء المقذوف ، أو الإقرار عند الحاكم ليقام عليه الحدّ ؟
2 . الغيبة ، فهل محوها بالتوبة فقط ، أو مع الاعتذار واسترضاء المغتاب ، أو يفصل بين اطّلاع المغتاب على الغيبة وتألّمه منها ، وعدمه ؟ ففي الثاني يكفي التوبة ، وفي الأوّل يلزم استرضاؤه أيضا ، كما ذهب إليه المحقّق الطوسي في تجريده .
3 . حبس مال الغير ثمّ دفعه إليه أو وارثه ، فهل يكفي التوبة لرفع أثر الظلم الحاصل بمجرّد الحبس خصوصا إذا أدّى أجرة مدّة الحبس أو لم يكن للمحبوس أجرة ومنفعة ، كالنقود المتعارفة في هذه الأعصار ، ويجري هذا الكلام في المكسور بعد إصلاحه ، وفي المغصوب التالف بعد ردّ المثل أو القيمة بطريق أولى ؟
يقول صاحب الجواهر قدّس سرّه في كتاب الشهادات :
حدود الشريعة — صفحة 130
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص١٣٠