الشديد منه سبحانه وتعالى ، فيعلم من ذلك أنّ التوبة وأخواتها غير مؤثّرة في جرأة العصاة ، وطغيان المتمرّدين عملا ، كما هو مشهود خارجا ، فاللّه سبحانه هو العالم بحقائق النفوس الإنسانيّة ، ولا يقنّن في التشريع ما ينافي مقتضى العبوديّة والربوبيّة ، ولا ما يختلّ به الأمن الاجتماعي والتكامل الأخلاقيّ ، بل لا يحصلان إلّا بالتعاليم الدينيّة .
وأظنّ أن من تنبّه بما ذكرنا والتفت إلى حال العصاة في الخارج ، يقتنع بما قلنا ، ولا يرى البحث محتاجا إلى مباحث نظريّة بعيدة عن الواقع .
وأمّا الجواب الخاصّ عن الإشكال الأوّل : أنّ مفسدة زيادة الجرأة على تقدير تسليمها مزاحمة بمفسدة يأس العبد من رحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء ، وقطع رجائه منه سبحانه ، كما يفهم من حرمة اليأس من رحمة اللّه ، بل هي من الكبائر ، بل يفهم من صحيح عبد العظيم المتقدّم ، أنّه أكبر الكبائر بعد الشرك باللّه ، فيقدّم الأهمّ على المهمّ ، وهذا واضح وحكمته أنّ الآئس من رحمة اللّه يغرق في بحر الجناية .
والجواب الخاصّ عن الإيراد الثاني : أنّ التوبة وسائر المسقطات إنّما تؤثّر في رفع العقاب الأخروي والتبعات الروحيّة دون التبعات الاجتماعيّة ؛ فإنّها غالبا بحالها تاب أم لم يتب ، فإذا أكل أحد مال غيره أو ضربه ، فلا يسقط وجوب أداء المال ولزوم تمكّنه من القصاص والانتقام بالتوبة ، فأين المضادّة مع الأمن الاجتماعي ؟ وأيضا قد علم من الشريعة أنّ من يذنب ثمّ يتوب ليس كمن لا يذنب أصلا ، فأين المضرّة للرقي الأخلاقي ؟
الجهة الخامسة : أنّ المعصية الماضية إمّا لا تابع لها مطلقا ، كالكذب ، وشرب الخمر ، ووطء الزوجة الحائض ، وعدم ردّ سلام المؤمن ونحو ذلك ، وإمّا لها تابع ، وهذا التابع إمّا راجع إلى حقّ اللّه تعالى فقط ، كقضاء الصلاة والصيام ، وأداء الزكاة ، وإتيان الحجّ ، وإمّا راجع إلى الناس ، كردّ مال الغير إليه ، أو إلى وارثه ، أو إلى الحاكم الشرعي ، إمّا عينا ، وإمّا مثلا ، أو قيمة ، وتمكين الغير من استيفاء حقّه منه ، كما في القتل ، والقذف ، والضرب ، وغيرها ، وإرشاد من أضّله ونحو ذلك .
حدود الشريعة — صفحة 129
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص١٢٩