الداعي الوحيد لهم في الرجوع إلى اللّه تعالى هو خوف النار وطمع الجنة ؟ كلّا .
الجهة الرابعة : استشكل بعضهم في تشريع التوبة وفتح بابها بأنّ : « فيه إغراء بالتمرّد ، والمخالفة : فإنّ الإنسان إذا علم بقبول توبته بعد ارتكاب المعصية لا يعتني بمانع العصيان ، بل تزيد جرأته على مخالفة التكاليف الإلهيّة .
وقد أجيب أيضا بأنّ :
التوبة لا تتحقّق في فرض قصد المكلّف المعصية بأن يعصي ثمّ يتوب ، فإنّ التوبة انقلاع عن المعصية ، ولا انقلاع في هذا الذي يأتي به ؛ فإنّه كان عازما على ذلك قبل المعصية ومع المعصية وبعد المعصية ، ولا معنى للندامة . . . - أعني التوبة - قبل تحقّق الفعل ، بل مجموع الفعل والتوبة في أمثال هذه المعاصي مأخوذ فعلا ، واحدا مقصود بقصد واحد ، مكر أو خديعة يخدع بها ربّ العالمين ، ولا يحيق المكر السيّئ إلّا بأهله ، انتهى .
وهذا الجواب ضعيف ؛ فإنّ لازمه قبول توبة من يعصي ويتجرّي بلا خوف من اللّه حين العصيان دون توبة من يعصي ويخاف ويبني على الرجوع إلى اللّه بعد خمود شهوته ، وذهاب شدّة حاجته ، وهو كما ترى .
وربّما يطعن بعض الملحدين به على الدين ، وإن الدّين بمسقطاته للذنوب كالتوبة والعفو والشفاعة ونحوها « 1 » يتسبّب إلى ميل الأفراد إلى الجرائم الأخلاقيّة والاجتماعيّة ، فهو مضرّ للأمن الاجتماعي والرقي الأخلاقي .
والجواب المشترك عن كلتا الشبهتين هو : إنّا نرجع إلى وجداننا ونشاهد حال العصاة ، فنرى هذا الادّعاء خلاف الواقع ؛ فإنّ الداعي للعصيان في معظم الموارد ، بل في جميعها إلّا ما شذّ ، هو ميل الإنسان وشهوته وغضبه الغالبتين على خوفه من اللّه أو اعتقاده الباطل من دون التفاته إلى مسقطات الذنوب .
والذي يؤكّده ويشهد له أنّ العلماء المحيطين بتفاصيل التوبة والاستغفار ، وغيرهما ، وسعة رحمة اللّه هم أبعد من الذنوب والآثام ؛ فإنّها كلّها لا ينافي خوفهم
هامش
( 1 ) . ذكرنا المسقطات في عنوان « الاستغفار » إلى عشرة ، فلاحظها ، وغير خفيّ أنّ الإشكال والجواب يجري في جميعها بتفاوت يسير .