أقول : بناء على عدم اعتبار الروايات أو عدم إطلاقها ، أو الأخذ بالقدر المتيقّن وهو عدم جواز الردّ في الصور الثلاثة الأوَل - ما أفاده صحيح ، كما هو غير بعيد ، لكن وجوب النظر على الحاكم الثاني على ما فهمه صاحب الجواهر من كلامه - لا وجه له أصلا ، بل يشكل جوازه مع امتناع من له الحقّ عن المرافعة ؛ لانقطاع دعواه بحكومة الحاكم الأوّل .
الجهة الثانية : الفتوى عبارة عن الإخبار بحكم كلّيّ عن جانب الشريعة ، والحكم عبارة عن إنشاء حكم جزئيّ أو كلّيّ لا من جانب الشريعة . وفي الجواهر أنّه إنشاء انفاذ من الحاكم لا منه تعالى - لحكم شرعيّ ، أو وضعيّ ، أو موضوعهما في شيء مخصوص ، فالفرق بينهما من جهتين :
الأولى : أنّ الأوّل إخبار ، والثاني إنشاء .
الثانية : أنّ متعلّق الأوّل كلّيّ ومورد الثاني قد يكون جزئيّا ، كما هو الأكثر ، وقد يكون كلّيّا ، كتحريم شرب التتن ، أو استيراد مال ، أو إصداره مطلقا ، لكنّه موقّت .
الجهة الثالثة : المتيقّن من نفوذ الحكم ولو من جهة العلم الخارجي - إنّما هو في النزاع والترافع ، أو كلّ مورد يتيقّن الحاكم بخطورة الموقف ، وضرر عظيم للإسلام أو المسلمين ، ففي مثله يجب الحكم ويحرم الردّ . وأمّا في غيرهما ، كالحكم بالصوم ، أو الإفطار في أوّل رمضان وآخرها ، ونحو ذلك ، فلا دليل يفي بحرمة ردّه فضلا عن وجوب إصداره ، إلّا أن يستدلّ للأوّل بقوله تعالى :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ .
الجهة الرابعة : لا يعتبر في الحكم صيغة مخصوصة ، كما ربّما يتراءى من بعضهم ، بل المناط إنشاء معنى الحكم بأيّ لفظ كان ، بل يمكن تحقّقه بالفعل أيضا .
( * ) النظر إلى الخمر
روى الحسين بن بسطام بسنده عن الصادق عليه السّلام ، فقال : « لا واللّه ، لا يحلّ لمسلم أن ينظر إليه ( الخمر ) فكيف يتداوى به » . « 1 »
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 17 ، ص 277 .