ولذا قال المصنّف ( أي المحقّق ) كغيره من الأصحاب إلّا للمتحرّف أي للقتال لا يكون للفرار ، بل لحضانة الموضع ، وربّما قيل : هو الكرّ بعد الفر ، ولعلّه هو أحد أفراد المتحرّف ؛ فإنّه الميل إلى حرف أي طرف ، ومنه التحرّف في طلب الرزق وهو الميل إلى جهة يظنّ الرزق فيها ، فيراد حينئذ مطلق المتحرّف للقتال ، كطالب السعة . . . ليكون أمكن له في القتال عن المكان الضيق أو موارد المياه . . . دفعا لعطشه المانع عن القتال ، أو استدبار الشمس ، أو لتسوية لامته . . . إلى غير ذلك من المصالح التي لا يعدّ مع ملاحظتها فرارا أو هربا .
أَوْ مُتَحَيِّزاً
أي مائلا إلى حيّز فئة ، أي جماعة من الناس منقطعة عن غيرها قليلة كانت أو كثيرة ، بل لا فرق بين كونها قريبة أو بعيدة بحيث لا يصدق معها الفرار من الحرب . . . نعم ، الظاهر اعتبار كون الفئة صالحة للاستنجاد ولو بالانضمام ؛ ضرورة انسباق المدخلّية في القتل من المستثنى في الآية ؛ إذ لو فرض كون الفئة غير صالحة ؛ لكونهم مرضى . . . لم تكن فائدة في التحيّز إليها بالفرار الذي فيه قوّة للعدوّ وضعف ووهن للمسلمين . . . فلو غلب عنده الهلاك مع كون العدوّ على الضعف أو أقلّ وكان في فئة لم يجز له الفرار . وقيل : يجوز ، للأصل ؛ ولقوله تعالى
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
وللحرج ، ولكنّ الأوّل أظهر ؛ لقوله تعالى :
إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا .
وإن كان المسلمون أقلّ من ذلك ، لم يجب الثبات ، كما صرّح به غير واحد ، للأصل بعد انتفاء شرط الوجوب المستفاد من الكتاب والسنّة . نعم ، قد يشكل في نحو زيادة الواحد والاثنين مثلا مع الضعف والجبن في الكفّار ، والشجاعة ، والقوّة في المسلمين . . . « 1 »
ونحن ذكرنا تفصيل البحث في رسالتنا : توضيح مسائل جنگى التي ألّفناها فيما بعد لبيان الأحكام المتعلّقة بالدفاع الإسلامي في أفغانستان تجاه السوفياتيّين الملحدين والماركسيّين الأفغانيّين .
هامش
( 1 ) . جواهر الكلام ، كتاب الجهاد « الفرار من الزحف » .