أقول : ما ذكره غير ثابت من الأدلّة ، وما نقله عن جامع المقاصد غير تامّ ، والغيبة محرّمة بعنوانها ، ولعلّ مراد الشيخ الأنصاريّ رحمه اللّه حرمة الغيبة بعنوانها من أجل التنفيص .
قوله : « أقوى المصلحتين » ، لكنّه مطّرد في جميع الأحكام ، ولا اختصاص له بالغيبة .
قوله : « أحدهما : ما إذا كان المغتاب متجاهرا بالفسق ؛ فإنّ من لا يبالي . . . » .
أقول : تحقيق المقام أنّ ذكر ما يتجاهر به الفاسق ليس بغيبة ، أوليس بحرام ؛ لما مرّ من اعتبار الستر . نعم ، يحرم غيبته في غير ما يتجاهر به ، بل فيه عند من لا يتجاهر به عنده ، هذا بحسب القاعدة .
وأمّا الروايات الخاصّة ، فهي ضعاف سندا سوى حديث هارون المتقدّم وإن عبرّ عنه الشيخ الأنصاريّ رحمه اللّه بالرواية ، وسيّدنا الأستاذ الخوئي صرّح بضعفها . « 1 »
أقول : رجال السند ثقات سوى أحمد بن هارون ؛ فإنّه لم يوثّق في كتب الرجال ، لكن قالوا : إنّه شيخ الصدوق ، وقد أكثر الترضّي عنه ، وقيل : إنّه لم يوجد ذكره في إكمال الدين إلّا مترضيّا عنه . وقد ذكرت في الفوائد الرجالية إنّ كثرة الترضّي دليل على الحسن عرفا ؛ خلافا لسيّدنا الأستاذ الخوئي ، فتصبح الرواية حسنة ، وعليه ، فيجوز غيبة المتجاهر ، ولو في غير ما يتجاهر به حتّى عند من لم يتجاهر عنده للإطلاق ، لكنّني متّى لم أحرز كثرة الترضّي عليه لا أبني على اعتبار رواياته ، ولذا ضعّفنا الرواية .
وهذا أي الفتوى بإطلاقها ، ممّا ذهب إليه جمع : منهم : سيّدنا الأستاذ الحكيم في منهاج الصالحين . « 2 »
قوله : « الثاني : تظلّم المظلوم وإظهار ما فعل به الظالم وإن كان متسترا به » .
أقول : يدلّ عليه إطلاق قوله تعالى :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
والغيبة من الجهر بالسوء وإطلاقه يقتضي الجواز حتّى عند من لا يرجو إزالة الظلم عنه . نعم ، لا يجوز إظهار غير ظلم الظالم من معائبه . ومن الظلم السبّ ، والغيبة ، والافتراء ، والضرب ، وأكل المال ، ونحوها .
هامش
( 1 ) . مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 337 .
( 2 ) . بعد ما توفّي سيّدنا الأستاذ الحكيم قدّس سرّه أدرج سيّدنا الأستاذ الخوئي فتاويه في متن منهاج الصالحين وطبعه طبعا أنيقا ، ويظهر من أوّل الكتاب أنّه ( دام ظلّه ) رجع عن قوله بحرمة غيبة المتجاهر في غير ما يتجاهر به ، بل تبع سيّدنا الأستاذ الحكيم في القول بالجواز مطلقا ، فلاحظ .