لا يقال : إنّ حديث الرفع وغيره من أدلّة البراءة ، يدلّ على عدم تكليف الجاهل ، والعقل يحكم بعدم استحقاق الغافل والجاهل القاصر لعقاب ، بل الحقّ أنّ العقاب والذمّ ليسا على مخالفة التكاليف الواقعيّة نفسها ، بل على المخالفة الاختياريّة العمديّة ، وعصيان التكليف ، والتجرّيّ ، كما حقّقناه في صراط الحقّ ، فإذا لم يستحقّ المباشر - لجهله أو لنسيانه وسهوه - العقاب والعتاب ، بل يكون فعله مباحا ، كيف يحرم على الغير تسبيبه ، وهل هو إلّا تسبيب للمباح ؟
فإنّا نجيب عنه أوّلا : ببقاء التكليف على الجاهل كبقائه على العالم ؛ غاية الأمر أنّه لا يستحقّ العقاب إذا كان معذورا في جهله ، ومجرّد عدم استحقاقه العقاب لا يدلّ على جواز الفعل أو الترك ، بل مقتضى إطلاق أدلّة التكاليف ، وظاهر ما دلّ على عموم الأحكام للعالمين والجاهلين - أو صريحه - هو تعلّق التكليف الواقعي به . نعم ، الغافل لمكان عجزه غير مكلّف حال غفلته .
وثانيا : إنّا لم نقل بحرمة إيقاع الغير فيما يحرم عليه حتى يورد عليه بما قيل ، بل نقول : إنّ المفهوم من أدلّة التكاليف - ببناء العقلاء وسيرة العرف - حرمة مخالفتها بالمباشرة ، وبتوسّط الغير سواء يحرم من الغير أيضا كما في الجاهل أم لا ، كما في الناسي والساهي والنائم ، كما إذا أدخل الخمر في فم النائم أو الناسي ، بل ، وكما إذا قدم خمرا أو نجسا للغافل والجاهل فشرباه .
فإن قلت : إن كان المحرّم هو التسبيب مطلقا ولو بالنسبة إلى غير المكلّف ، فيلزم أن يحرم إطعام النجس للكفّار والأطفال والمجانين ، وإذا خصّصنا الحكم في حقّ المكلّفين ، فيجوز تقديم الطعام النجس - مثلا - إلى الأطفال ، والمجانين ، والنائمين والغافلين بسهو أو نسيان ، بل الكفّار أيضا بناء على ما ذهب إليه المحدّث الكاشاني في الوافي والصافي ، والمحدّث البحراني في حدائقه ، وسيّدنا الأستاذ الخوئي ( دام ظلّه ) « 1 » من عدم تكليفهم بالفروع .
قلت : مقتضى الأدلّة اللفظيّة هو تحريم الفعل والترك مباشرة ، وإنّما نقول بحرمة
هامش
( 1 ) . صرّح لي به شفاها في أواخر أيّامي في النجف الأشرف وإن كان أوّلا قائلا بقول المشهور .