التسبيب لأجل بناء العقلاء وحكم العرف ، كما أشرنا إليه . وهذا ممّا لا شكّ فيه غير أنّ الحرمة المذكورة تختلف سعة وضيقا باختلاف مبغوضيّة الآمرين كثرة وقلّة ، كما لا يخفى . وهذا - أي تحديد المبغوضية - لا بدّ من إحرازه من الخارج .
وفي الأحكام الشرعيّة يصحّ أن نقول : إنّ اللّه تعالى يبغض صدور المحرّمات ، وترك الواجبات من العاقلين البالغين ، فيحرم التسبيب في حقّهم .
أمّا الأطفال والمجانين ، فلا علم ، ولا ظنّ لنا بمبغوضيّة المحرّمات ، وترك الواجبات منهم ، بل العلم حاصل بخلافه ؛ للعلم برفع القلم عنهم ، سواء أكان المراد من القلم قلم التكليف ، أو قلم المؤاخذة ، كما تعرّضنا له في صراط الحقّ . نعم ، ربّما يفهم من مذاق الشارع حرمة التسبيب مطلقا في بعض الموارد ، كما في مثل اللواط ، والزنا ، والقتل ونحوها . فلا يجوز التسبيب مطلقا .
وأمّا الناسي والساهي : فمقتضى العمومات والإطلاقات كونهما كالذاكرين والملتفتين في ثبوت التكليف ، وليس لدينا ما يوجب اشتراط التكليف مطلقا بالقدرة بحيث إنّ من لا قدرة له على الامتثال كالناسي والساهي ، لا مقتضى لتكليفه « 1 » ، بل القدر المتيقّن بدلالة العقل أنّ العجز مانع عن فعليّة التكليف في حقّهم وإلّا فالعاجز كالقادر في أصل اقتضاء التكليف ، كما يفهم من الإطلاقات . وعليه ، فلا يبعد القول بحرمة التسبيب فيهم أيضا ؛ فإنّ العمل الصادر منهم مبغوض وإن لم يمكن تحريمه عليهم ، فافهم .
وأمّا الكفّار ، فيحرم التسبيب إلى صدور المعصية منهم ببناء العقلاء ، وحكم العقل إلّا إذا ثبت الرخصة من الشارع ، كما في بعض المقامات . هذا بناء على ما هو الأصحّ عندنا من كونهم مكلّفين بالفروع كتكليفهم بالأصول « 2 » .
وأمّا إذا نفينا عنهم التكليف إمّا مطلقا أو في غير ما اتّفق عليه شريعته وشريعتنا ،
هامش
( 1 ) . يأتي إثبات ما هو الحقّ في أوائل الجزء الثالث ، ولكنّ ما ذكرنا هنا مبنيّ على قول السيّد الأستاذ الخوئي . فإن صحّ ما قلنا هناك من أنّ التكاليف مشروطة بالقدرة لم يحرم التسبيب في حقّ غير القادرين إلّا أن يقال : إنّه مفهوم من مذاق الشرع ، واللّه العالم .
( 2 ) . لاحظ الجزء الثاني من صراط الحقّ .