وكيفما كان يمكن أن يقال : إنّ هذا ليس حكما برأسه ؛ فإنّ التبديل المذكور إمّا أكل مال الغير ( الموصى له ) أو منعه عنه ، لكن الأصحّ كونه حكما على حدة . ففي صحيحتي محمّد بن مسلم عن الإمام عليه السّلام في رجل أوصى بماله في سبيل اللّه ؟ فقال : « أعطه لمن أوصى به له وإن كان يهوديّا أو نصرانيّا ؛ إن اللّه تعالى يقول :
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ »
. ومثلهما غيرهما « 1 » .
وأما الإصلاح في فرض خوف الجنف والإثم « 2 » ، فهو يتصوّر على وجهين :
1 . إصلاح الوصيّة وردّها من الانحراف والإثم ، وتبديلها بما هو حقّ مطابق للشريعة .
2 . الإصلاح بين الورثة وإرضاؤهم على أمر ، ورفع نزاعهم في إنفاذ الوصيّة الموجبة للجنف ويمكن أن يرجّح هذا الاحتمال بقرينة قوله :
فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ .
ويظهر الثمرة بينهما أوّلا في صورة عدم رضا الورثة ، فلا معنى للتصالح والإصلاح على الثاني ، ولكنّه متوجّه على الأوّل مطلقا .
وثانيا : في أنّ الإصلاح على الأوّل بلحاظ مجرّد الضوابط الشرعيّة فقط . وعلى الثاني بها وبرضا الورثة المختلفين معا .
أقول : والصحيح هو الوجه الأوّل وذلك لأمرين :
الأوّل : أنّ إرضاء الورثة إنّما يعتبر في فرض خوف الجنف فقط . أي في فرض ميل الموصي في وصيّة إلى بعض الورثة ، لا في فرض خوف الإثم ، أي فرض تعلّق الوصيّة بالحرام الشرعي ، والمتيقّن فيه الإصلاح بالمعنى الأوّل وإذا فرضنا أنّ لفظ الآية لا يطيق الوجهين معا ، فلا بدّ من اختيار الوجه الأوّل مطلقا .
الثاني : قد ثبت اشتراط نفوذ الوصيّة بأن لا يزيد في الماليات عن الثلث وإلّا لبطلت في الزائد ، كما عن المشهور المدّعى عليه الإجماع بقسميه ، والنصوص
هامش
( 1 ) . البرهان ، ج 1 ، ص 178 .
( 2 ) . في بعض الروايات تفسير الجنف بكونه على جهة الخطأ وعدم العلم بالحرمة ، ولازمه تفسير الإثم بتعمّد الحرام . وفي بعضها تفسيره بالميل إلى بعض الورثة دون البعض وتفسير الإثم بعمارة بيوت النيران واتّخاذ المسكر ، أي فعل المحرّمات الذاتيّة ، ولعلّه لأباس بهذا الفرق وإن فرض ضعف الرواية سندا ، وقولنا في آخر المتن : « نعم ، ربّما يتوجه الإصلاح » يبني على صحّة هذا الفرق . وإلّا يمكن منعه بمنع صدق الجنف على الوصيّة المذكورة ، واللّه العالم .