وليس حال هذه الأدوار حال الأدوار السابقة على الإسلام في نزول البلاء السماوي واستئصال الناس بالعذاب .
وأمّا ما يقع في بعض الأمكنة أحيانا من الزلزلة والخسف والطوفان ونحوها ، فلا دلالة فيها على أنّها من جهة الانتقام ؛ إذ كثير منها في البلاد الإسلاميّة التي فيها المستغفرون ، والغالب وقوعها في القرى دون الحاضرات ( المدن ) التي تكثر فيها المعاصي والفسوق والكفر ، وليكن هذا الذي ذكرنا قرينة على أنّ حرمة الأمن من مكر اللّه من جهة اعتقاد عدم قدرته تعالى على إيصال العذاب إلى الناس ، وهذا حقّ ، بل يكون هذا موجبا للكفر - نعوذ باللّه منه - ولا يراد به الاطمئنان بعدم وقوع العذاب وإن اعتقد أنّه تعالى قادر عليه ، لكنّه لا يفعل لكرمه ورحمته وفضله ، فتأمّل ؛ فإنّ المقام لا يخلو عن غموض وتردّد .
وقال السيّد الأستاذ الخوئي - كما كتبه لنا من النجف الأشرف - :
الظاهر أنّ المراد ممّن يأمن مكر اللّه تعالى هو من لا يبالي بالدّين وبالحلال والحرام ، ويفعل ما يشاء ، ويترك ما يشاء ، فكأنّه لا جنّة ولا نار . وإن شئت فقل : إنّ المراد من ذلك صدور الفعل من الفاعل في الخارج مأمونا من عذاب اللّه غير خائف منه تعالى ، وعليه فمن الطبيعي أنّ حرمته إرشاديّة لا مولويّة . انتهى كلامه .
نعم ، قد ثبت اليوم ( يوم إصلاح هذه الأوراق للطبعة الثالثة ، 1384 ه ش ) أنّ أربعين مليونا من الذين ابتلوا بمرض الأيذر ، محكومون بالموت حتما بين حين وآخر . نعم ، ليس كلّ هؤلاء المبتلين ، متمرّدين ومعتادين بالفحشاء ، بل عدّة منهم ورثوا المرض من الآباء والأمّهات ، أو بالعداء من غير التفات بقانون الأسباب الفيزيائيّة ، كما قال :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .
لكنّها ليست من العذاب الموعود المهدّد به في الآيات المتقدّمة ، إلّا أن يقال بأنّها غاشية من عذاب اللّه . فلاحظ .