إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ »
« 1 » .
أقول : والآية المستشهد بها في نفسها أيضا لا تخلو من دلالة على الحرمة ، واللّه العالم . وفي صحيح ابن سنان ، قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : « إنّ من الكبائر . . . والأمن من مكر اللّه » « 2 » ، ومثله غيره .
ثمّ المراد بالمكر هو العذاب الدنيويّ ، كخسف الأرض ، وإرسال الحاصب ، ونحو ذلك دون العقاب الأخرويّ كما يظهر من الآيات المتقدّمة .
وتلك الآيات متوجّهة إلى الكفّار وتخويفهم بالعذاب ، ولا نظارة لها إلى المؤمنين سوى قوله تعالى :
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
فإنّ إطلاقه يشمل الجميع .
والصحيحة أيضا قرينة عليه ، فلا يجوز للكفّار أن يأمنوا العذاب ؛ لكفرهم ؛ وللمؤمنين لعصيانهم .
ولقائل أن يقول : إنّ المؤمن كيف لا يأمن من عذابه تعالى ، ولا أقلّ من استغفاره في بعض الأوقات أو في الصلاة ، وقد قال اللّه تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
« 3 » ، « 4 » .
وقال اللّه تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
والمكفّر لا ينزل لأجله العقوبة . فلم لا يجوز لمجتنب الكبائر الأمن من مكر اللّه تعالى ؟ « 5 »
هذا مضافا إلى التجربة المفيدة للعلم أو الاطمئنان الحاصلة من مرور مئات سنين بأنّ اللّه لا يعذّب المؤمنين على معاصيهم ، بل الكفّار على كفرهم - غالبا - والناظر في حال كفّار عصرنا والأعصار المتقدّمة يطمإنّ بأنّ اللّه أمهل معظمهم إلى حين الموت ، وأنّ هذه الدار ليست دار انتقام .
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 252 .
( 2 ) . المصدر ، ص 254 .
( 3 ) . الأنفال ( 8 ) : 34 .
( 4 ) . إن قلت : العذاب المنفيّ بالاستغفار هو عذاب الأمّة بأجمعها استئصالا لهم ، كما في الأمم الماضية ، وأين هذا من إيصال مكر اللّه إلى كلّ فرد فرد ؟ قلت : لو سلّم الأوّل لا نسلّم الأخير ؛ إذ مقتضى قوله :فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ،ليس هو احتمال وصول المكر إلى كلّ فرد ، لاحظ الآيتين اللتين قبل الآية تجد صدق ما قلنا .
( 5 ) . إلّا أن يقال : كلّ ذلك تقييد لإطلاق الآية بالدليل الشرعي ، وهو لا يضرّ بإطلاقها في الباقي .