الأمر الثاني : إنّ كلمة « لعلّ » يستعمل بحسب موارد العرف واللغة فيما إذا كان مدخوله أمراً محتمل الوقوع والعدم في نفسه سواء كان المتكلّم عالماً بوقوعه أو بعدموقوعه أو شاكّاً فيهما ويكون له نحو ارتباط بالجملة المذكورة قبلها .
فعلى هذا لا يقال قطّ : كُلِ الطعام لعلّك تشبع أو أوقد السراج لعلّك تستضيءُ بنوره ، لأنّ ترتّب الشبع على الأكل والإضاءة على الإيقاد أمر واقع لازم لا يمكن الانفكاك بينهما . وكذا لا يقال : كل الطعام لعلّ تجارتك تربح ، لعدمالارتباط بين الجملتين ، بل يقال : كل الطعام لعلّك تقوّي به ، لأنّ القوّة ليست لازمةً للأكل بل الأكل مقتضٍ له لاعلّة . ومن ذلك قوله تعالى مخاطباً لموسى وأخيه هارون علىنبيّنا وآله وعليهما الصلاة والسلام :
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
*
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى .
« 1 » وقد ذكرنا أنّ علم المتكلّم لا ينافي كون المدخول محتملًا في نفسه المصحّح لاستعمال كلمة لعلّ .
ثمّ إنّ احتمال الوقوع المستفاد من « لعلّ » ربما يكون علةً غائيةً كما إذا قلنا : تب إلى الله لعلّه يغفر ذنوبك لأنّ الغاية للتوبة هو احتمال المغفرة ، وربما يكون شبيهاً بالعلّة الفاعليّة كما إذا قلنا : لاتَنَم في السرداب لعلّ العقرب يَلْدَغُك ومن المعلوم أنّ احتمال لدغ العقرب ليس علّةً غائيةً لعدمالنوم بل هو الداعي لعدمالنوم وكأنّه هو المحرّك .
ومن ذلك تعرف أنّ ما ذكره بعض الأساطين من إمكان عدم كون المدخول علّةً ممثّلًا بقوله :
لاتهين الفقيرَ علّك أن تَر * كَعَ يوماً والدهرُ قدرَفَعه « 2 »
هامش
( 1 ) . الآية 43 و 44 ، من السورة 20 : طه .
( 2 ) . نهايةالأفكار ، ج 3 ، ص 126 .