وأمّا سائر الأدلّة الناهية عن القول بغير علم كقوله تعالى :
« وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »
« 1 » وقوله تعالى :
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
« 2 » إنّما يكون النهي فيها لأجل التشريع وانتساب شيء إلى المولى مع عدم القطع بانتسابه إليه وإن كان إباحة الإخبار من لوازم نفس الواقع لكنّ المُقدِم على الإخبار لابدّ وأن يحصِّل العلم بالجواز وإلّا فمع الشكّ فقد أقدم على ما لم يعلم جوازه فربما يقع في مخالفة الواقع ويرتكب حراماً ذاتياً إن لم يصادف إخباره مع الواقع وربما يطابق إخباره مع الواقعفإذاً ارتكب ما هو جائز ذاتاً ولكن حرامٌ تشريعاً .
إذا عرفت هذه المقدّمة فاعلم أنّ المجتهد وإن استنتج بمقدّمات الانسداد حجّية ظنّه بالنسبة إلى الأحكام الشخصية المتعلّقة به لا حجّيّته بالنسبة إلى الأحكام الكلّية لكنّ الأحكام لمّا لم تختلف بين المكلّفين فلا محالة يظنّ أيضاً بأحكام سائر المكلّفين أيضاً ، وهذا الظنّ وإن كان غير حجّة كما بيّناه لكنّ حصول الظن بالنسبة إليه مع فرض اشتراك جميع المكلّفين في الأحكام غير اختياريّ له ، فإذا ظَنّ بأحكام المكلّفين فيظنّ حينئذٍ بجواز الإخبار بأحكامهم لِما عرفت من أنّ جواز الإخبار من آثار نفس ثبوت المخبَر به في الواقع ، فإذا ظنّ بثبوت المخبر به وهو أحكام المكلّفين فلا محالة يظنّ بجواز الإخبار لأنّ الظنّ بأحد المتلازمين ملازم للظنّ بالملازم الآخر ، لكنّ الإخبار حيث كان من أفعال نفسه فلا محالة يكون جواز الإخبار من الأحكام المتعلّقة به فإذا ظنّ به فقد ظنّ بحكمٍ شخصي متعلّق به فإذا كان هذا الظنّ المتعلّق بالحكم الشخصي حجّةً عليه فيجوز الإخبار على طبق ما
هامش
( 1 ) - صدر الآية 36 ، من سورة 17 : الإسرآء .
( 2 ) - ذيل الآية 169 ، من السورة 2 : البقرة .