والصدقُ والكذب إنّما هما عنوانان للإخبار بما أنّه مطابق للواقع أو مخالف له لا بما أنّ المخبِر عالم بالواقع أو عالم بخلافه .
وبعبارة أخرى إنّ الصدق هو الكلام المطابق للواقع ونفس الأمر سواء عَلم المخبِر بالمطابقة أو لم يعلم بها أو علم بعدم المطابقة ، والكذب هو الكلام المخالف للواقع سواء علم المخبِر بالمخالفة أو علم بالموافقة أو شكّ في الموافقة والمخالفة ؛ فبناءً على كون معنى الصدق هو هذا فإذاً يكون جواز الإخبار الذي هو بمعنى الصدق من لوازم نفس الواقع لا من لوازم العلم بالواقع ، غاية الأمر أنّ الإنسان إذا أراد الإخبار عن شيء فلابدّ وأن يكون عالماً بجوازه إذ مع الظنّ بالجواز أو مع الشكّ فيه فقد أخبر بما لم يَعلم جواز الإخبار به ، فإن صادف إخبارُه الواقعَ كان كلامه صادقاً لكن تَجَرّى في إخباره ( لأنّه أقدَمَ على الإخبار مع عدم العلم بالجواز كمن أقدم على ارتكاب عمل حلال مع عدم علمه بحلّيته فهو لم يرتكب حراما ذاتياً بل تجرّى على مولاه ) وإن لم يصادف الواقع يكون كلامه كاذباً .
ولا يخفى أنّ الأدلّة الناهية عن القول بغير علم لم يكن النهي فيها نهياً ذاتياً بل النهي فيها تشريعي ، فالتشريع في الإخبار عن الأحكام الواقعية عين التجرّي في نفس التكاليف الخارجية لكن اصطُلح « التجرّي » في الأفعال الخارجية و « التشريع » في البناء والإخبار مع عدم العلم بثبوت الأحكام ؛ وكلاهما من وادٍ واحد .
وما ورد من قوله عليه السلام :
« . . . رَجلٌ قَضى بِالحقِّ وَهُو لا يَعلم فَهُو في النارِ » « 1 »
إنّما هو لمكان حرمة القضاء مع عدم العلم فلا صلة له بالمقام .
هامش
( 1 ) - « وسائل الشيعة » ج 27 ، كتاب القضاء ، الباب 4 من أبواب صفات القاضي ، ح 6 ، ص 22 .