في علمآخر لكن إذا اطّلع الإنسان على جميع هذه العلوم بتحصيله جميعَ الملكات يسمّى ذا الفنون ، كذلك علم الفقه إذا حصلت له بعض من هذه الملكات المحتاج إليها يسمّى متجزّيا وإن حصلت ملكات عديدة كثيرة يسمّى مطلقا .
وإن شئت فنظّر المقام بباب العدالة ، لأنّ العادل عند الشارع هو مَن حصلت له ملكةُ ترك المعصية لكن هذا عبارة عن ضمّ ملكات كثيرة كملكة ترك الحسد وملكة ترك الغيبة وملكة ترك قول الزور وهكذا ؛ فالقائل بالتجزّي لايدّعي تبعّض الملكة البسيطة بل يدّعي تعدّدها فكلّ واحدٍ من هذه الملكات نسبته إلى ملكات المجتهد المطلق نسبة أفراد العامّ إلى العامّ لا نسبة أجزاء المركّب إلى المركّب .
هذا ؛ واعلم أنّ صاحب « الكفاية » قدّس سرّه ذهب إلى وجوب التجزّي لدليل بطلان الطفرة ، « 1 » وذلك لأنّ أعلى درجة الملكة القويّة لا يحصل للمجتهد دفعةً واحدةً بل يحصل له أوّلًا ملكةٌ ضعيفة جداً ثمّ بالممارسة في أبواب الفقه واستنباط الأحكام يشتدّ هذه الملكة شيئاً فشيئاً حتّى يصير ذا ملكة قويّة بحيث يتمكّن مِن إعمال الأدلّة الأربعة المذكورة سابقاً بمجرّد النظر إلى كلّ مسألة عرضت عليه . فلمّا كان الوصول إلى المراتب العالية بدون طيّ المراتب الدانية ممتنعاً لبطلان الطفرة فعلى هذا إنّ الاجتهاد على نحو التجزّي ممّا لابدّ منه بل كلّ مجتهد مطلق فعلًا قد كان سابقاً مجتهداً متجزّياً لا محالة .
لكنّك بما ذكرنا لك تعرف أنّ خلط باب قوّة الملكة وضعفها ببابالتجزّي - كما هو قد خَلَط بينهما كما عرفت - بلاوجه ، لأنّ المتجزّي لا يلزم
هامش
( 1 ) - « كفاية الأصول » مباحث الاجتهاد والتقليد ، ص 466 و 467 .