لقد صار واضحاً من هذه الآيات التي بيّنت في القرءان الكريم في النهي عن قتل الولد ، أنّ هناك نوعين رائجين لقتل الأولاد بين عرب الجاهليّة ، وقد منع الباري سبحانه على يد رسول رحمته كلا النوعين بنحوٍ أكيد وقاطع :
الأوّل : قتل الأولاد عموماً ، الذكر منهم والأنثي ، الذي تدلّ عليه آيات ،
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ،
أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ،
أو
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ
التي ورد ذكرها ، ويستنتج منها أنّ عرب الجاهليّة إذا مرّ عليهم عام قحط ومجاعة فانّهم كانوا يقتلون أولادهم لئلّا يرونهم يعانون شظف العيش وشدّة الجوع والمسكنة .
وقال العلّامة الطباطبائي في تفسيرها : الإملاق الإفلاس من المال والزاد ، ومنه التملّق ، وقد كان هذا كالسنّة الجارية بين العرب في الجاهليّة لتسرّع الجدب والقحط إلى بلادهم ، فكان الرجل إذا هدّده الإفلاس بادرَ إلى قتل أولاده تأنّفاً مِن أن يراهم على ذلّة العدم والجوع .
وقد علّل النهي بقوله :
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ،
[ أو
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
] أي إنّما تقتلونهم مخافة أن لا تقدروا على القيام بأمر رزقهم ، ولستم رازقين لهم ، بل الله يرزقكم وإيّاهم جميعاً فلا تقتلوهم « 1 » .
في تفسير آية : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ
الثاني : قتل البنات بالخصوص ، وكانوا يدفنوهنّ أحياءً ، كما دلّت عليه آية :
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ
، لأن معني الموؤودة البنت التي تُدفن حيّة ؛ فقد كان الغزو والقتل يكثر في الجاهليّة بين العرب ، وكان يحدث أن تصبح بناتهم أسيرات في أيدي أعدائهم ، فكان
هامش
( 1 ) - « الميزان في تفسير القرءان » ج 7 ، ص 397 ذيل الآية الواردة في سورة الأنعام :وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .