فرماها الكفّار وأحرقوها بالنفط والبنزين ، أو بالصواريخ وسائر الأسلحة المحرقة ، فرأي المسلمون بأمّ أعينهم موتهم الحتمّي حرقاً ، فليس من حقّهم مع ذلك الفرار من الاحتراق برمي أنفسهم في البحر ليموتوا غرقاً حسب اختيارهم .
وكذا في حالة مريض بمرض مستعصٍ مُهلك ، كبعض اقسام السرطان الذي تصبح الحياة معه مرارةً ليس إلّا ، هذا المريض لا يمتلك الحقّ في وضع حدٍّ لحياته بالإنتحار ، أو أن يطلب من صديقه الدكتور المعالج أو ممرّضه وصديقه الحميم أن يعجّلا في موته بإعطائه مصلًا يقضي عليه فيموت قبل أجله الطبيعيّ ، فهذه كلّها تعدّ قتلًا للنفس وهي محرّمةً ممنوعة .
سرّ حُرمة الانتحار في الإسلام
وسرّ ذلك أنّ الإنسان ليس في الحقيقة مالك نفسه ليمكنه اتّخاذ القرار بنفسه في مسألة حياته أو موته ، بل إن مالكه وخالقه وربّه ومحييه ومميته هو الله عزّ وجل الذي أغلق هذه الأبواب كلّها أمامه ، وكلّفه أن يسعي بكلّ ما أوتي من قوّة في إدامة حياته وتأمين بقائه حتّي يأتيه الموت الذي لابدّ منه .
وذلك لأن الإنسان وحقيقته ووجوده ليست بقيام بدنه وجسمه ، ليكون له الخيار في تركه والفكاك منه ، بل انّ واقعيّته وحقيقته في نفسه الناطقة وروحه ، وهي لا تموت بموت بدنه ، وعليه أن يبقي في هذه الدنيا ما دام لم يصل بعدُ إلى كماله ، مهما تجشّم المصاعب والمشاكل ، إذ ربّما كانت هذه المصاعب أيضاً من موجبات تكامله الروحي ؛ والانتحار هو الموت قبل الموعد الطبيعي ، وهو قطف الثمرة الفّجة من الشجرة قبل نضجها وخلع ثوب النفس الناطقة وانتزاعها من البدن قبل فعليّتها وهي لا تزال في نطفة الاستعداد والقابليّة .