ثمّ جاء بعد ذلك آخرون وقالوا إنّ المادّة ليست إلّا أمواجاً حركيّة ، فلا شيء منها في العالم إلّا نفس الحركة ، وإنّنا نشاهد اختلاف الصور والأشكال والأشياء في الخارج لاختلاف نوع الحركة التي نسمّيها أمواجاً .
فلو كان هذا الاختلاف في المادّة الذي أوجدوه يتعلّق بالمادّة نفسها لما كان مهمّاً ، لكنّ هذه الآراء الأخيرة تسبّب تحطّم وانهيار أساس بحث واستدلال الفلاسفة المادّيّين لقرون متمادية وعصور طويلة .
ومن بين المسائل التي صارت مورد بحث المحافل والمدارس هي مسألة أصل نوع الإنسان ، وأنّه مِمَّ خُلق ؟ فهل ولد من أب وامّ معيّنين ؟ أم تدرّج من طبقات الحيوانات السابقة الواحدة تلو الأخرى حتى انتهى إلى نوع البشر ؟ !
القول بانتهاء الإنسان إلى آدم وحوّاء ، وبانتهاء كلّ حيوان إلى أصله
وفي هذا الشأن قولان .
القول الأوّل . إنّ أبوَي هذا النوع كانا آدم وحوّاء اللذان خلقهما الخلّاق العليم القدير بإرادته بنحو الإبداع والإعجاز دفعة واحدة ، بأن صيّر التراب طيناً فسوّى منه آدم ، ثمّ نفخ فيه فصار بشراً سويّاً له عقل وذكاء وإدراك .
وكذا الأمر بشأن أصل خلقة سائر أنواع الحيوان ، حيث خلق لكلٍّ منها أصلًا من أب وامّ ، البقر والغنم ، والأسد والنمر ، والطيور والحيوانات البرّيّة . . . ، كلٌّ خلق له أصلًا بنفس الأسلوب وأوجد فيه نفساً حيوانيّة خاصّة ، فصارت أصول بداية خلقة الأجيال العديدة للحيوانات على ظهر البسيطة .
صار آدم أبا البشر ، لأنّ بدنه يخلو من الشعر خلافاً لجميع الحيوانات ،