والليالي التي قضوها للحصول على صيغة جديدة واكتشاف قانون جديد لها ، بل إنّ ذلك العمر الذي قضوه في هذه المرحلة بعقد المؤتمرات وحضور الجلسات ، وفي المطالعة والتأليف ، وفي طيّ المراحل الجامعيّة ، لم يكن حقّاً . وأنّ نسبة الثبات والأصالة التي كانوا يفيضونها على المادّة كانت خطاً محضاً وحجاباً وعمى ، وها هي الآن قد ضاعت كلّها في موقف ظهور الحقّ هذا ، وأنّ ما توهّموه علماً في الدنيا وما كانوا يدَّعونه علماً قد اتّضح الآن أنّه لم يكن إلّا خيالًا ووهماً ، ضاع بأجمعه وتلاشي .
وصار مشهوداً في هذا الموقف أن لم يكن في الطبيعة مع الله شيء آخر سواه ، وأنّ ما كان جارياً هو الحقّ وإرادته المباشرة ، لكنّ العين الحولاء كانت ترى الحقّ باطلًا والباطل حقّاً .
نعم ، لقد سقنا البحث إلى هنا ليُعلم كم طال اختلاف الآراء والنظريّات حول دوران الأرض والمدار السماويّ ، وأين انتهى ، ولسنا نعلم ما الذي سيأتي بعد من آراء لتنسخ آراء السابقين .
ونظير اختلاف الآراء حول دوران الأرض اختلافها في الحرارة المركزيّة للأرض ، والتي ظلّ العلماء لمدّة مديدة يعزون السبب الوحيد للزلزلة والبركان في قمم الجبال إلى الحرارة المركزيّة للأرض ، حتى جاء اللورد كِلْفين فعزى ذلك إلى شيء آخر ووافقه داروين على رأيه هذا .
اختلاف آراء الفلاسفة المادّيّين في حقيقة المادّة
وأعجب من هذا كلّه هو اختلاف الآراء وتباين النظريّات بشأن حقيقة المادّة ؛ نعم هذه المادّة نفسها التي يحنون الرؤوس تعظيماً لها ويحصرون الموجودات فيها ، فجعلوها مقابل الله الأزليّ الأبديّ عَلَماً يُثبتون لها أعلى صفات الالوهيّة من الأزليّة والأبديّة ، ولقد جهدوا في الكفر بالله الربّ الخالق وساقوا أنفسهم أذلّاء تابعين لهذه المادّة الصمّاء عديمة الشعور .