والفطرة لا يكفي لوحده في استخدامها ، بل ينبغي ضمّ الاختيار والإرادة لذلك ، فإن أوكلنا الزمام عند ذلك بيَدِ العقل النظريّ والشعور الإنسانيّ الذي تشترك فيه معنا الحيوانات في كثير من الجهات ، فإنّ هناك احتمالًا كبيراً في انحراف سعي الإنسان عن طريق الفطرة ونهجها ، أمّا إن أعطينا الزمام بيَدِ العقل الإنسانيّ مِنْ حَيْثُ هُوَ إنسَانٌ فإنّنا نضمن تحقّق الحكم الفطريّ وقيام العقل باستخدام هذه الأجهزة للوصول إلى كمال الإنسانيّة ، وحينذاك سيقع حكم العقل موافقاً لمسائل الفطرة وتجهيزات الخلقة ، وهو معنى .
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها .
« 1 »
ولو كانت الغرائز والفطرة ومسائل الطبيعة كافية لوحدها للعمل ، فعلامَ سنحمل هذه الانحرافات والأخطاء ؟
أمّا قولكم إنّ هذه الوجوبات تحتاج إلى وجوب ابتدائيّ ترجع إليه فقول صائب نؤيّده ونوافق عليه ، لكنّ هذا الوجوب الابتدائيّ ليس إلّا حكم العقل المستقلّ الإنسانيّ المنزّه عن شوائب الأوهام والوساوس ، ولا يمكن أن يكون شيئاً آخر غيره ، فإن لم يكن هذا العقل في الإنسان لأصبح الأمر في .
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
، « 2 » لغواً لا فائدة فيه .
فهذا العقل هو الذي يصوغ من الإنسان إنساناً ، وبه عرّف الله نفسه بواسطة لسان الباطن ولسان الأنبياء ، وهو الذي يقول . ينبغي لهذا الوجوب الابتدائيّ أن يكون حكم العقل وليس حكم الباري الموجّه إلى النفس التي تفتقد العقل والتي لا ينفع معها ألف وجوب ووجوب .
لطالما قلنا ، ونقول . إنّ مسائل الفطرة تحتاج في سنّة التكوين إلى
هامش
( 1 ) - قسم من الآية 30 ، من السورة 30 . الروم .
( 2 ) - صدر الآية 30 ، من السورة 30 . الروم .