الأحكام عبارة عن المسائل التي جُعلت من قبل الخالق العليم الحكيم والخبير بالبنية الوجوديّة والمسير التكامليّ والهدف الغائيّ للإنسان ؛ ومعنى الجعل الإلهيّ هو الاعتبار الإلهيّ .
فهذه الأمور الاعتباريّة هي الواسطة بين مبدأ الإنسان وبين كماله وغايته . فالعبد الخاضع للّه يمكنه بإعمال هذه الأحكام والأوامر وتطبيقها إيصال نفسه إلى أعلى ذروة الكمال وإلى أوج الإنسانيّة .
فهذه الأحكام التي تمّ اعتبارها بإرادة الله ونظره فاقت في إحكامها ومتانتها كلّ أمر آخر ، وكانت أكثر توفيقاً ونجاحاً في إيصال الإنسان إلى الهدف الأصليّ للخلقة ، لأنّها تنطبق مع حكم العقل وحكم الشهود والوجدان . ومعنى الاعتبار أنّ المُعْتَبِر - وهو الله سبحانه - قد قرّرها وعيّنها بلحاظ الهيكل البنيويّ والقوى المادّيّة والطبيعيّة ، وبرعاية الأمور النفسيّة والروحيّة للإنسان ، بعيداً عن ذرّة من الحقد والحسد وإعمال الغرض ولحاظ النفع الشخصيّ والفائدة الذاتيّة ، فقد حُسبت جميع المصالح والمفاسد ، وأسباب النجاة والفوز وعوامل الهلاك والشقاء ، بأدقّ الحسابات وأعمقها وأكملها ، ثمّ جُعل الحكم تبعاً لهذه النظرة ؛ أشبه بطبيب حاذق جدّاً يعاين مرض المريض ويطالعه ويناقش جوانبه وسوابقه ولواحقه ، ويجري المقارنات ، ويراعي الظروف الزمانيّة والمكانيّة والأمور الوراثيّة ، ثمّ يعتبر بعد تشخيص المرض دواءً له .
فهذا الاعتبار يقابل الحقيقة ، أي يقابل الخارج والخارجيّة ، أي حكم ونظر . فنظر الطبيب هو نظر الشخص المعتبر ، وهو الذي يعتبر الأدوية الفلانيّة في وصفة الدواء التي يعطيها للمريض .
ثمّ إنّ المريض الذي يمثّل مرضه أمراً حقيقيّاً ، يعمل بالنظريّة الاعتباريّة للطبيب ، فيستعمل الدواء ويشفي في النتيجة ، والشفاء هو الآخر
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 400
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٤٠٠