لطائف الآيات الواردة في حرمة الربا في نظر العلّامة الطباطبائيّ
واعلم أنّ أمر الآية عجيب ، فإنّ قوله تعالى .
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ .
مع ما يشتمل عليه من التسهيل والتشديد حكم غير خاصّ بالربا ، بل عامّ يشمل جميع الكبائر الموبقة ، والقوم قد قصروا في البحث عن معناها ، حيث اقتصروا بالبحث عن مورد الربا خاصّة من حيث العفو عمّا سلف منه ، ورجوع الأمر إلى الله فيمن انتهى ، وخلود العذاب لمن عاد إليه بعد مجيء الموعظة ، هذا كلّه مع ما تراه من العموم في الآية .
إذا علمتَ هذا ظهر لك أنّ قوله .
فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
لا يفيد إلّا معنى مبهماً يتعين بتعين المعصية التي جاء فيها الموعظة ويختلف باختلافها ، فالمعنى . أنّ من انتهى عن موعظة جاءته ، فالذي تقدّم منه من المعصية ، سواء كان في حقوق الله أم في حقوق الناس فإنّه لا يؤاخذ بعينها ، لكنّه لا يوجب تخلّصه من تبعاته أيضاً كما تخلّص من أصله من حيث صدوره ، بل أمره فيه إلى الله ، إن شاء وضع فيها تبعة كقضاء الصلاة الفائتة والصوم المنقوض وموارد الحدود والتعزيرات وردّ المال المحفوظ المأخوذ غصباً أو رباً وغير ذلك مع العفو عن أصل الجرائم بالتوبة والانتهاء ، وإن شاء عفى عن الذنب ولم يضع عليه تبعة بعد التوبة ، كالمشرك إذا تاب عن شركه ومن عصى بنحو شرب الخمر واللهو فيما بينه وبين الله ونحو ذلك . فإنّ قوله .
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى
مطلق يشمل الكافرين والمؤمنين في أوّل التشريع وغيرهم من التابعين وأهل الأعصار اللاحقة . « 1 »
هامش
( 1 ) - « الميزان » ج 2 ، ص 442 .