تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
المسّ أي الجنون ، يقال . مَسَّ الرَّجُلَ فَهُوَ مَمْسُوسٌ إذا جُنّ ، وأصله اللمس باليد ، وسمّي به لأنّ الشيطان قد يمسّ الرجل وأخلاطه مستعدّة للفساد فتفسد ويحدث الجنون . وهذا لا ينافي ما ذكره الأطبّاء من أنّ ذلك من غلبة مرّة السوداء ، « 1 » لأنّ ما ذكروه سبب قريب وما تشير إليه الآية سبب بعيد ، وعلّيّة مسّ الشيطان للجنون ليست مُطَّرِدة ولا منعكسة ، فقد يحصل مسّ ولا يحصل جنون ، كما إذا كان المزاج قويّاً ، وقد يحصل جنون ولم يحصل مسّ ، كما إذا فسد المزاج من دون عروض أجنبيّ ، والجنون الحاصل بالمسّ قد يقع أحياناً ، وله عند أهله الحاذقين أمارات يعرفونه بها ، وقد يدخل في بعض الأجساد على بعض الكيفيّات ريح متعفّن تعلّقت به روح خبيثة تناسبه فيحدث الجنون أيضاً على أتمّ وجه ، وربّما استولى ذلك البخار على الحواسّ وعطّلها ، واستقلّت تلك الروح الخبيثة بالتصرّف فتتكلّم وتبطش وتسعى بآلات ذلك الشخص الذي قامت به من غير شعور للشخص بشيء من ذلك أصلًا ، وهذا كالمشاهد المحسوس الذي يكاد يعدّ منكره مكابراً منكراً للمشاهدات . وقال المعْتَزِلَةُ والقَفَّالُ من الشافعيّة . إنّ كون الصرع والجنون من الشيطان باطل ، لأنّه لا يقدر على ذلك ، كما قال تعالى حكاية عنه .
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ،
« 2 » فالآية واردة هنا على ما يزعمه العرب ويعتقدونه من أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيُصرع وأنّ الجّنيّ يمسّه فيختلط عقله وليس
هامش
( 1 ) - كانوا يقولون في الطبّ القديم إ نّ أخلاط الجسم أربعة . الصفراء ، السوداء ، البلغم والدم ، وعندما تتعادل نسبتها تكون صحّة الجسم جيّدة وسليمة ، وعندما تختلّ هذه النسبة وتقوي أحدها علي الاخري تظهر عوارض المرض علي بدن الإنسان . ( 2 ) - الآية 22 ، من السورة 14 . إبراهيم .