فالآية على هذا لا تثبت أنّ الصرع المعروف يحصل بفعل الشيطان حقيقةً ولا تنفي ذلك . وفي المسألة خلاف بين العلماء .
أنكر المعتزلة وبعض أهل السنّة أن يكون للشيطان في الإنسان غير ما يعبّر عنه بالوسوسة . وقال بعضهم إنّ سبب الصرع مسّ الشيطان كما هو ظاهر التشبيه ، وإن لم يكن نصّاً فيه . وقد ثبت عند أطبّاء هذا العصر أنّ الصرع من الأمراض العصبيّة التي تعالج كأمثالها بالعقاقير « 1 » وغيرها من طرق العلاج الحديثة . وقد يعالج بعضها بالأوهام ، « 2 » وهذا ليس برهاناً قطعيّاً على أنّ هذه المخلوقات الخفيّة التي يعبر عنها بالجنّ يستحيل أن يكون لها نوع اتّصال بالناس المستعدّين للصرع ، فتكون من أسبابه في بعض الأحوال .
والمتكلّمون يقولون إنّ الجنّ أجسام حيّة خفيّة لا تُرى ، وقد قلنا في تفسير « المنار » غير مرّة إنّه يصحّ أن يُقال إنّ الأجسام الحيّة الخفيّة التي عُرفت في هذا العصر بواسطة النظّارات المكبّرة ، وتسمّى بالميكروبات يصحّ أن تكون نوعاً من الجنّ ، وقد ثبت أنّها علل لأكثر الأمراض . قلنا ذلك في تأويل ما ورد من أنّ الطاعون من وَخز « 3 » الجنّ .
على أنّنا نحن المسلمين لسنا في حاجة إلى النزاع فيما أثبته العلم
هامش
( 1 ) - في « أقرب الموارد » مادّة عقر . العقار فعّال للمبالغة . الدواء والشيء الذي يداوي به من الأعشاب وجذورها . وقال في « الصحاح » . العقاقير أصول الأدوية ، واحدها عقار .
( 2 ) - الوهم مفرد الأوهام ، يقال تارة للقوّة الوهميّة من الحواسّ الباطنة التي من شأنها إدراك المعاني الجزئيّة المتعلّقة بالمحسوسات ، كشجاعة زيد وسخائه . وهي تلك القوّة التي تدفع الشاة للفرار من الذئب ، وللحنو علي ولدها .
( 3 ) - تفسير المنار ج 3 ص 95 و 96 .