تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
ولا ترقى جميع لغات الدنيا إلى قدرة العربيّة في اتّساع اللغة ، ومصادر الاشتقاق ، وفي جهة لطف قريحة الكلام ، والفصاحة التامّة والبلاغة الكاملة ، وقول الشعر بداهة ، وبيان المعاني الكثيرة والمطالب المحتشدة والنكات الدقيقة بأوجز عبارة وأقلّ بيان . ويرجع أصل اللغات السائدة وجذورها إلى أصلين . العربيّة واللاتينيّة ، والعربيّة أحكمهما وأمتنهما . كما أنّ بيان المراد والمقصود بالرعاية الدقيقة للنكات الأدبيّة ، من الحقّائق والمجازات والتمثيلات والتشبيهات والاستعارات دليل على كمال تلك اللغة وقوّتها ، وفي : إنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا إشارة إلى هذه النكتة . ولقد نزل القرآن الكريم . الكلام الإلهيّ المعجز ، الذي يمثّل المعجزة الباقية لرسول الله إلى يوم القيامة ، قد نزل بلسان العرب ، أي بأكمل وأتمّ وأوسع وأبلغ الألسنة واللغات ، فهو قائد قافلة البشريّة بدقائقه البليغة ، ومجازاته واستعاراته . على أنّ اتّساع اللغة وآدابها ، واستعمال المجازات والاستعارات المختلفة « 1 » توجب اتّساع الفهم وحدّة الذكاء ونموّ الذهن ، فما يشاهد في
هامش
( 1 ) - الاستعارة هي في الحقيقة مجاز ، والفرق بينها وبين التشبيه ، وجوب ذكر أدوات التشبيه في التشبيه ، مثل . زيد كالأسد ، وعدم وجوب ذكرها في الاستعارة ؛ والاستعارة هي ذكر أحد جانبي التشبيه بقصد الجانب الآخر مع ادّعاء دخول المشبَّه في جنس المشبَّه به بإثبات بعض مختصّات المشبّه به للمشبَّه . وهي على نوعين . استعارة مصرّح بها ، واستعارة بالكناية . فأولاهما . هي أن يكون الجانب المذكور من جانبي التشبيه هو المشبّه به ، كقولك . رأيتُ أسداً في الحمّام ؛ فالمراد من الأسد هو الرجل الشجاع . والثاني . أن يكون المشبَّه هو جانب التشبيه الذي يجري ذكره ، مثل . وَإذَا المَنيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفَارَهَا ؛ فقد شُبِّهت المنيّة بحيوان مفترس ، مع ذكر المشبّه وهو المنيّة . يقول السكّاكيّ في « مفتاح العلوم » ص 198 و 199 في علم البيان . تنقسم الاستعارة المصرّح بها إلى قسمين . تحقيقيّة وتخييليّة ، والمراد بالتحقيقيّة أن يكون المشبّه المتروك شيئاً متحقّقاً إمّا حسّيّاً وإمّا عقليّاً ، والمراد بالتخييليّة أن يكون المشبّه المتروك شيئاً وهميّاً محضاً لا تحقّق له إلّا في مجرّد الوهم . ثمّ تقسم كلّ واحدة منهما إلى قطعيّة . وهي أن يكون المشبّه المتروك متعيّن الحمل على ما له تحقّق حسّيّ أو عقليّ أو على ما لا تحقّق له البتّة إلّا في الوهم ؛ وإلى احتماليّة . وهي أن يكون المشبّه المتروك صالح الحمل تارةً على ما له تحقّق وأخرى على ما لا تحقّق له ، فإن عددنا قسمي الاحتماليّة تحقيقيّة وتخييليّة قسماً واحداً فإنّ مجموع أقسام الاستعارة ستكون أربعة . 1 - الاستعارة المصرّح بها التحقيقيّة القطعيّة . 2 - الاستعارة المصرّح بها التخييليّة القطعيّة . 3 - الاستعارة المصرّح بها الاحتماليّة مع الاحتمال للتحقيق والتخييل . 4 - الاستعارة بالكناية . ثمّ إ نّ الاستعارة ربّما قُسِّمت إلى أصليّة وتبعيّة ؛ والمراد بالأصليّة أن يكون معنى التشبيه داخلًا في المستعار دخولًا أوّليّاً ؛ والمراد بالتبعيّة أن لا يكون داخلًا دخولًا أوّليّاً ؛ وربّما لحقها التجريد فسمّيت مجرّدة ، أو الترشيح فسمّيت مرشّحة ، وعلى هذا فيصبح مجموع أقسام الاستعارات ثمانية . ثمّ يشرع السكّاكيّ في الكلام مفصّلًا في كلٍّ من هذه الأقسام .