وذلك في ثلاث صفحات كاملة . « 1 »
وكان أبو ريحان ؛ خلافاً لجميع المتقدّمين القائلين بسكون الأرض حسب هيئة بطليموس ؛ ذا قريحة جيّدة في مسألة حركة الأرض ، يعلم مَن تأمّل فيها أنّ له في اختيار ذلك المذهب والطريقة كمال الرغبة ، فيقول في كتاب « الاستيعاب في عمل الأسطرلاب الزورقيّ » .
وَقَدْ رَأيْتُ لأبِي السَّعِيدِ السَّجْزِيِّ اسْطُرْلَاباً مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ بَسِيطٍ ، غَيْرَ مُرَكَّبٍ مِنْ شِمَالِيٍّ وَجُنُوبِيٍّ ؛ سَمَّاهُ الزَّوْرَقِيَّ .
فَاسْتَحْسَنْتُهُ جِدَّاً لِاخْتِرَاعِهِ إيَّاهُ عَلَى أصْلٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ مُسْتَخْرَجٍ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ بَعضُ النَّاسِ مِنْ أنَّ الحَرَكَةَ المَرْئِيَّةَ مِنَ الأرْضِ دُونَ الفَلَكِ .
وَلَعَمْرِي هُوَ شُبْهَةٌ عَسِرَةُ التَّحْلِيلِ ؛ صَعْبَةُ المَحْقِ ؛ لَيْسَ لِلْمُعَوِّلِينَ عَلَى الخُطُوطِ المَسَاحِيَّةِ مِنْ نَقْضِهَا شَئٌ . أعْنِي بِهِمْ المُهَنْدِسِينَ وَعُلَمَاءَ الهَيْئَةِ . عَلَى أنَّ الحَرَكَةَ سَوَاءً كَانَتْ لِلأرْضِ أمْ كَانَتْ لِلسَّمَاءِ ؛ فَإنَّهَا في كِلْتَا الحَالَتَيْنِ غَيْرُ قَادِحَةٍ في صِنَاعَاتِهِمْ . بَلْ إنْ أمْكَنَ نَقْضُ هَذَا الاعْتِقَادِ وَتحْلِيلُ الشُّبْهَةِ فَذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى الطَّبِيعِيِّينَ مِنَ الفَلَاسِفَةِ . « 2 »
هامش
( 1 ) - « نامة دانشوران ناصري » ج 2 ، ص 73 إلى 76 .
( 2 ) - مقدّمة « التفهيم » ص 113 ، عن « قانون المسعوديّ » ج 1 ، ص 297 .
يقول في « نامة دانشوران ناصري » ( رسالة العلماء الناصريّين ) ج 1 ، ص 70 . ومن أمثلة فضائل ذلك الأستاذ الكامل مناظراته ومباحثاته مع الشيخ الرئيس ابن سينا في ثمان عشرة مسألة طبيعيّة ، دارت حول سكون الأرض ، وميل جميع الأجسام إلى مركزها ، وامتناع الخلاء ، وإبطال الجزء الذي لا يتجزّأ ، وتناهي الأبعاد ، وأمثالها من المسائل التي يفهمها كلّ مَن تأمّل بنظر التدقيق في تلك الرسالة ؛ وهي مطمح أنظار المتقدّمين ومطرح أفكار المتأخّرين ؛ درجةَ هذين الحكيمين المتفرّدين في الفضل ومرتبتهما في العلم . فتأمّل .
حتّى يصل إلى القول . قال ياقوت الحمويّ . حين وردتُ جامع مرو ونظرت في فهرس مؤلّفاته ضمن رسالة وقف ذلك المسجد ، وكانت عدّة أوراق كُتبت بخطّ دقيق متقارب ، فعددتُها فكانت ستّين ورقة ؛ وقال البعض إنّها كانت تزيد على وقر بعير عند الحمل والنقل ، لكنّ عقد تلك التصانيف النفيسة انفرط بِيَدِ الحوادث فلم يبقَ من ذاك الكثير الوافر إلّا هذا القليل النادر .