حتّى يصل إلى القول . ويتّضح من كتاب « الاستيعاب في صنعة الأسطرلاب » « 1 » وسائر مؤلّفاته ، إنّ ذلك الأستاذ الكامل كما تسلّمَ تفوّقه في المعقول والمنقول ، واشتهرت مهارته في المحسوسات والمصنوعات ،
هامش
- يذكر أحمد أمين المصريّ في كتابه « يوم الإسلام » ص 89 و 90 مطلباً يستحقّ التأمّل ، حيث يقول .
وطريقة الإسلام الاعتماد على ال -Inducionأعني الاستقراء ، فهو يتتبّع المسائل الجزئيّة ما أمكن ثمّ يستنتج منها القاعدة الكلّيّة ، كما فعلوا في النحو والصرف ، فكانوا يتتبّعون الجزئيّات المعروفة ليستنتجوا منها قاعدة . الفاعل مرفوع . أمّا الفلسفة إلى ونانيّة أو فلسفة أرسطو فعمادها على ال -Deducionأي الاستنتاج ، فهم يضعون القاعدة الكلّيّة ثمّ يستنتجون منها النتائج الجزئيّة ، كقولهم إ نّ الأجسام تتمدّد بالحرارة ، والحديد جسم ، إذن فالحديد يتمدّد بالحرارة . . . وهكذا . وقد أدّتهم طريقة الاستقراء هذه إلى الإمعان في الشكّ والتجربة ، فنرى كثيراً ممّا كتبه الجاحظ في كتاب « الحيوان » يبتدئ بالشكّ ، ثمّ يعرض على محكّ التجربة ، ولا بأس عنده أن يخطئ أرسطو فيما قاله ، ويفضِّل عليه أعرابيّاً بدويّاً . وسار النظام على هذا حتى في الأحاديث النبويّة ، فكان يشكّ فيها أوّلًا ، ثمّ يعرضها على مقتضى العقل ليعرف أصحيحة هي أم غير صحيحة ؟ فكان الغزّاليّ والجاحظ أسبق إلى الشكّ من ديكارت ، وكان مسكويه أسبق من داروين في تقريره مذهب النشوء والارتقاء في كتاب « تهذيب الأخلاق » ، وكان الطوسيّ أسبق من أينشتَين في فهم الزمنيّة ، غاية الأمر أنّ موادّ العلم الأوّليّة كانت لهؤلاء المتأخّرين أوفر والزمن لهم أعون والحقائق عندهم أكثر اتّضاحاً والتعبير أبين ويسودهم مذهب التحليل أكثر من مذهب التركيب ، فما يقوله علماء العرب في جملة ، يقوله المتأخّرون من الاوروبّيّين في كتاب ، وهكذا . وقد نسبوا إلى روجر بيكون أنّه أوّل من قال بالاستقراء في النهضة الاوروبّيّة الحديثة ، مع أنّه خرّيج الجامعات العربيّة في إسبانيا . وعيب العرب أنّهم لم يجدوا من يمجّدهم . ومزيّة الاوروبّيّين أنّهم يمجّدون دائماً من يعلى شأنهم ، وهكذا الشأن في ابن خلدون ، فإنّه سبق ديكارت في تأسيسه علم الاجتماع ، والفرق بين كتب الاثنين أنّه أيضاً بنى كتابه على مذهب الاستقراء الذي سار عليه العرب أكثر ممّا سار على مذهب الاستنتاج الذي سار عليه الاوروبّيّون .
( 1 ) - « نامة دانشوران » ج 1 ، ص 62 .