فإنّه وصل في إبداع الصنائع العمليّة إلى حيث تركت مهارته في اختراع طبقات الأفلاك وخرائط النجوم عدّة صفحات بالغ في إيضاحها حتى كأنّ الألواح الفلكيّة قد اندمجت في صفحات خياله ، والصور الثمان والأربعين قد ارتسمت في لوح صدره ، وعموماً فقد كان في جودة الذهن وحُسن القريحة لدرجة كان يشرع معها بنفسه بالابتكار في صناعات الخرائط والآثار الجغرافيّة ، وقد ابتدع عدّة قواعد ظلّ الاوروبّيّون يجلّون واضعها كلّما شاهدوها وطالعوها ، كذلك فإنّ أغلب خرائطهم في هذا العصر مبتنية ومرتكزة على الأصول والقوانين التي ابتكرها .
كيفيّة تسطيح سطح الكرة الأرضيّة في الخرائط الجغرافيّة المستوية .
هي من بنات أفكار وإبداعات ذلك الفاضل المتفرّد ، وقد أوجد قوانين وأطلق مسمّيات لبعض المسائل الطريفة والمطالب الدقيقة بحس قريحته وفكره البعيد الثاقب الفقدان الوسائل ونقص الآلات ، ويرى مَنْ تأمّلها بعين الإنصاف مدى علميّته وقدر فضله ؛ ومن بينها الأصول والضوابط التي أوردها في مطاوي مؤلّفاته في تسطيح الكرة الأرضيّة ورسم الخرائط الجغرافيّة ، وبالرغم من أنّ حكماء اوروبّا قد أوصلوها - لتوفّر الأسباب وتهيّؤ الأدوات - إلى أعلى درجات الكمال ، لكنّهم كلّما سمعوا هذه العبارات وشاهدوا هذه الإشارات كانوا يجلّونه ويعتبرونه لائقاً لكلّ ثناء حسب قاعدة الفَضْلُ لِلْمتَقَدِّمِ .
ولأجل الإيضاح المحض لتلك الرموز ، وكشف تلك الكنوز ، فسنورد حاصل ما ذكره في « الآثار الباقية » في باب رسم الخرائط الجغرافيّة ؛ ثمّ يشرع ببيان كيفيّة تسطيح الكرة الأرضيّة الذي أورده في « الآثار الباقية » ،