أمّا الطبيعيّات فهي بجميع شؤونها وجميع فروع مسائلها ، من الطبّ والنجوم والهيئة ، ومسائل الأرض والسماء ، غير مرتكزة وغير معتمدة على البرهان ، بل تعدّ مسائلها استقرائيّة ، حيث استبدلوا أخيراً كلمة الاستقراء بالتجربة . ولقد قالوا وكتبوا جميعاً مكثرين . إنّ المسائل الاستقرائيّة لا تورث القطع واليقين ، بل هي مسائل ظنّيّة تماثل المسائل الحدسيّة والفرضيّة الحاليّة ، عدا الاستقراء التامّ الذي يورث العلم واليقين .
فنسبة المسائل الطبيعيّة الاستقرائيّة إلى الإلهيّات البرهانيّة كنسبة فرضيّة حركات الأفلاك والتداوير المفروضة ، وثبوت السيّارات داخل جرمها ، وفرضيّة حركة السيّارات في مداراتها الخاصّة بلا فلك قد سُمّرت في جُرمه ، إلى نتيجة حسابات عالم رياضيّ ومنجّم مختصّ قاس وأجرى بصورة دقيقة حساب حركة وزمان أوج وانحطاط الشمس أو ما شاء من سيّارات ، وزمن خسوف القمر وكسوف الشمس وفق القواعد الرياضيّة .
فحسابات المنجّم والعالم في الهيئة واحدة في كلّ الصور والحالات ، لأنّها كانت مستندة على قواعد رياضيّة ثابتة وغير متغيّرة ، سواء أخذنا الأرض كمركز للعالم حسب هيئة بطليموس واعتبرنا الشمس وجميع الثوابت والسيّارات تدور حولها ، أم اعتبرنا الشمس مركزاً والسيّارات والأرض تدور حولها حسب هيئة كوبرنيك .
فمع أنّ هاتين الفرضيّتين مختلفتان بالطبع ، لكنهما لا تؤثّران أبداً على نتيجة حسابات المنجّم ، لأنّ الاهتمام الرئيسيّ للمنجّم ونظره ليس لحركة هذه أو تلك ، بل بمقارنة البعد والاقتراب ، وهو أمر لا اختلاف فيه ولا تفاوت .
فلو كانت الفاصلة بيننا وبينكم مائة فرسخ ولابدّ لنا من طيِّ خمسين ساعة لنصل إلى بعضنا ، فما الفرق للمحاسب الذي سيجري الحساب فيقول
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 199
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٩٩