الميدان فيهدم ما بناه بالأمس .
والشاهد على هذا أنّ جميع العلوم التي تعاقبت الواحدة بعد الأخرى فكلٌّ منها قد نسخ العلم الذي سبقه ؛ كلُّ علم له مريدوه الذين يعتقدون - أوان ظهوره وبزوغ نجمه - أن لا علم أعلى منه وأسمى ، ويعجز من أراد إلزامهم وإقناعهم بغير ذلك ، لأنّه هو نفسه لم يصل إلى علم أعلى منه وأرقى ؛ أمّا حين يُشرف نجم ذلك العلم على الغروب ليتوارى خلف الأفق ، ويظهر العلم الجديد الناسخ له ، فإنّ القديم سيُعدّ في المسائل البالية الخرافيّة حتى عند أصحابه وأنصاره .
فالإلكترون الذي يُعدّ اليوم من بديهيّات علم الكيمياء والفيزياء هو من علومنا وشؤوننا نحن ، وفي يومنا هذا لا في غدنا ، وغداً حين يتوصّل البشر إلى اكتشاف أدقّ وأعمق ، فينكر أصل الذرّات بهذه الكيفيّة ويزيح الستار لنا بالتجربة والاختبار عن عجائب أخرى من الذرّة ، عندها سنضحك على أفكار يومنا المنصرم ، ونسخر من يقين وبرهان وإصرار أمسنا .
إنّ الدين والشريعة الإلهيّة الحقّة جاءت من عند الله تعالى ، بأصالتها وواقعيّتها ، ويقيناً أنّ تعبّديّاتها تفوق أوامرها ونواهيها البديهيّة بآلاف المرّات ؛ وليس للدين معنى غير نزوله من جانب العلم المطلق على الإنسان والبشر ذي العلم النسبيّ ، والمرتقي يوماً بعد آخر من درجة القابليّة إلى الفعليّة ، وسيبقى البشر في هذه الحالة مهما استعان بالعلوم والمعارف التجريبيّة ؛ من ميكانيك وفيزياء وطبيعيّات ، ومن علم النفس وعلم الاجتماع وعلوم طبقات الأرض والنبات والحيوان ، وعلم الحياة والكيمياء المعدنيّة والآليّة ، والهيئة وغيرها ؛ قاصراً عن أن ينال بيده عالم الربوبيّة ، أو يحيط بأسرار الخلقة وخفاياها التي لا تحصى والمحيطة به من كلّ جانب ، وأن يزيح التعبّد عنه جانباً ، إلّا أن نقول إنّنا قد فهمنا العالم
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 166
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٦٦