وما يحضرني الآن أنّ العلّامة قدّس الله نفسه أشار في رسالته بإجمال - وكانت في حدود الصفحتين - إلى بعض المطالب التي ذكرناها ، وورد في جملتها أنّ الحكمة قد وردت في القرآن الكريم ، وتعني المعرفة المتعالية والبناء الشامخ للفكر الواقعيّ طبقاً لإدراكات الإنسان الحقيقيّة ؛ وقد امتدح الله تعالى نبيّه في موارد عديدة بأنّه وهبه الحِكْمَة ، ولم يعدُ معناها في الروايات عن هذا المفهوم .
وأمّا ضَالَّة فمن مادّة ضَلَّ يَضِلُّ ضَلَالًا بمعنى الضياع ، وهي فعل لازم ثلاثيّ مجرّد ، ومتعدّيه بمعنى الإضلال . أضَلَّ يُضِلُّ إضْلَالًا من باب إفعال ثلاثيّ مزيد .
وعلى هذا فإنّ
ضَالَّةُ المُؤْمِن
تعني أنّ علم الحكمة المفقود الوحيد للمؤمن ، يشهد على هذا المطلب تتمّة الحديث .
أيْنَمَا وَجَدَهَا أخَذَهَا ،
كالشخص الذي أضاع شيئاً فهو يبحث عنه ، أينما بصر به أخذه . « 1 »
هامش
( 1 ) - أورد الشيخ هادي كاشف الغطاء في « مستدرك نهج البلاغة » ص 158 أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام قال . الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وَعَظَ بِغَيْرِهِ ، وما ورد في نفس « نهج البلاغة » هو . الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ ؛ فَخُذِ الحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أهْلِ النِّفَاقِ . وفي « تحف العقول » بهذه العبارة . فَلْيَطْلُبْهَا وَلَوْ في أيْدِي أهْلِ الشَّرِّ - انتهى ما جاء في « المستدرك » .
وروى المجلسيّ رضوان الله عليه في « بحار الأنوار » ج 2 ، ص 99 الطبعة الحروفيّة ، عن « الأمالي » للشيخ بسنده المتّصل عن أمير المؤمنين عليهالسلام ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال . كَلِمَةُ الحِكْمَةِ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أحَقُّ بِهَا .
قال أمير المؤمنين عليهالسلام . خُذِ الحِكْمَةَ أنَّي كَانَتْ فَإنَّ الحِكْمَةَ تَكُونُ في صَدْرٍ المُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ في صَدْرِهِ حتى تَخْرُجَ فَتَسكُنَ إلى صَوَاحِبِهَا في صَدْرِ المُؤْمِن . ( « نهج البلاغة » باب الحِكَم ، ص 154 ، طبعة مصر بتعليقة الشيخ محمّد عبده ) ، وضبطها في « البحار » فَتَتَخَلَّجُ ، أي . تَضْطَرِبُ .
قال أمير المؤمنين عليهالسلام . الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ ؛ فَخُذِ الحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أهْلِ النِّفَاقِ ( « نهج البلاغة » باب الحكم ، ص 154 ) .
وقال الراغب الأصفهانيّ في « المحاضرات » ج 1 ، ص 50 . قال الرسول الأكرم صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم . الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ ، أيْنَمَا وَجَدَهَا قَيَّدَهَا . وقال أيضاً . خُذِ الحِكْمَةَ مِمَّنْ تَسْمَعَهَا مِنْهُ ، فَرُبَّ رَمْيَةٍ مِنْ غَيْرِ رَامٍ ، وَحِكْمَةٍ مِنْ غَيْرِ حَكِيمٍ . وقال أيضاً . لَا يَمْنَعَنَّكَ ضَعَةُ القَائِلِ عَنِ الاسْتِمَاعِ إليه ؛ فَرُبَ فَمٍ كَرِيهٍ مَجَّ عِلْماً ذَكِيًّاً ، وَتِبْرٍ صَافٍ في صَخْرٍ جَاسٍ .
وقال في « سفينة البحار » ج 2 ، ص 34 . وقال عيسى عليهالسلام
: لَا تَضَعُوا الحِكْمَةَ في غَيْرِ أهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا ! وَلَا تَمْنَعُوهَا أهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ ! وَكُنْ كَالطَّبِيبِ الحَاذِقِ يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّهُ يَنْفَعُ .