تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
واعتبر هذه النطفة التي جاءت نكرة علامة إبهام ذات مفهوم كلّيّ ، فهي تشمل جميع نطف الحيوانات من الأنواع السابقة التي تمثّل بنظره حلقات في سلسلة آباء وأجداد آدم . « 1 » وكان هذا دليلًا في نظره على نشوء الإنسان وارتقائه وتكامله من الخليّة الواحدة الموجودة أوّل الخلقة ، وبما أنّه كان يريد استنتاج التكامل ضمن بحث طويل ، فقد تشبّث بمطالب غير محكمة من جهة فنّ الأدب والعربيّة والبرهان . « 2 »
هامش
( 1 ) - « خلقت انسان » ص 140 إلى 143 . ( 2 ) - يقول في ص 142 من كتاب « خلقت انسان » . رابعاً . الجملة في آخر الآية 12 ( . . . في قرار مكين ) تشير إلى أنّ مفهومها ، ومِنْ ثَمّ مقصود تمام الآية ، كلّيّ وعامّ وغير ناظر إلى موضوع منحصر وخاصّ ، مثل رحم الامّ كما تصوّر بعض المفسّرين ، إذ لو كان المقصود من الصفة والموصوف في « قرار مكين » هو رحم الامّ وكان له اختصاص لصار معرّفاً بألف ولام أو بأدوات التعريف الأخرى ، أو لاستخدم بدل تلكم الكلمتين المذكورتين أسماء صريحة كالأرحام والبطون ( كما استعمل في الآيات الاخري ) ، لكنّ كلمة « قرار » قد استعملت نكرة ووُصفت بصفة « مكين » فهي تدلّ على عناية خاصّة لا يمكن إلّا أن تكون لتعميم مفهوم الجملة المذكورة بالمكان المساعد لتنمية النطفة في جميع الموجودات ذات النطفة - انتهى . ويجب القول في جوابه . أوّلًا . إنّ تفسير قَرَارٍ مَّكِين برحم الامّ هو عقيدة جميع المفسّرين لا مجرّد تصوّر بعضهم . وثانياً . إنّ مجيء « قرار » نكرة وكذلك عدم استعمال أرحام وبطون ، ليس لها أيّة دلالة على مقولته . وثالثاً . لقد وردت عين عبارة « قرار مكين » في موضع آخر من القرآن - الآيتان 20 و 21 من السورة 77 . المرسلات - حيث يقولأَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ، فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ؛والمراد من الماء المهين هنا النطفة بلا شكّ ، والمراد من القرار المكين رحم الامّ ، لأنّ خطاب الآية كان للناس ، والخطاب يجب أن يكون - خاصّة إذا كان بصورة الاستفهام التقريريّ الذي هو مورد الكلام - بشكل يكون بتمام معناه قابلًا لفهم المخاطب ودركه . ومن المعلوم أنّه لو افترض أنّ ابتداء خلق الإنسان كان الحمأ المسنون والمستنقعات والمياه الضحلة الآسنة ، وافترض أنّ القرار المكين هو محلّ وقوع النطفة في جميع الحيوانات والأنواع قبل ظهور الإنسان ، فكيف يصبح هذا المعنى الذي هو مورد شكّ وشبهة وإنكار الخواصّ والعلماء أمراً بديهيّاً واضحاً بيّناً لعامّة الناس بشكل يمكن معه أن يخاطبهم الله بنحو الاستفهام التقريريّ( أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ . . .فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ )ويدعوهم للإقرار والاعتراف ؟ ! وعلى هذا ، فينبغي أن يكون معنى ماء مهين وقرار مكين واضحاً للعامّة . ولم يكن في أفهام العموم في هذا الخطاب غير خصوص نطفة الرجل وخصوص رحم المرأة ؛ ولأن القرآن يفسر بعضه بعضا فنعلم بقرينة مدلول هذه الآيةثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ،أي رحم الامّ لا أرحام القرود على رأي داروين ، والأنواع السابقة لسلسلة الحلقة المفقودة على رأي المؤلّف المذكور . ورابعاً . إنّه أخذ معنى ثمّ دالًّا على التراخي بفواصل زمانيّة مديدة تمتدّ لملايين السنين ، وأورد على أساسها آيةثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍكشاهد على نظريّة تغيّر الأنواع . ونسأله . ما تقولون في آيةأَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍالتي لم يرد فيها لفظ ثمّ ؟ وحاصل الأمر أنّه لا يمكن الاستفادة من هذه الأدّلة الواهية التي يمكن اكتشاف نواقص لا تحصى فيها من جهة اللغة العربيّة في تفسير الآيات القرآنيّة ، هذا وأنّ لثمّ والفاء معانٍ أخرى . قال العلّامة قدس الله سرّه في « الميزان » ج 15 ، ص 19 بشأن ثمّ والفاء في الآيتين 13 و 14 ، من السورة 23 . المؤمنون .ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ، هذه الآيات التي هي مدار بحثنا . وقد قيل في اختلاف كلمة ثمّ والفاء في هذه الآيات إنّ الأشياء التي تُعطف ب - ثمّ لها بينونة كاملة مع ما عطف عليه كما في قوله .ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. وما لم يكن بتلك البينونيّة والبعد عطف بالفاء ، كقوله :فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً.
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 111 | السيد محمد حسين الطهراني / حسن إبراهيم