تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
والمشاقّ واستماع الكلام الفارغ وغير المستساغ . إنّ واجبك ليس الانتقام بل الصبر ، ثمّ المقابلة بحسن الخلق ، وغلبة الطرف الآخر وقهره بالأخلاق وبتناسي قبائحه والإغضاء عن إساءاته ، وكأنّ هذه الآية العجيبة كانت توحي معنى جديداً وتستبطن مفهوماً بديعاً بكراً ، وكأنّني لم أقرأ هذه الآية قبل اليوم ولم استوعب معناها . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فقد كنت أنظر إلى الناس جميعاً على حدٍّ سواء بعين التربية والهداية ، وأعتبر واجبي تكليفاً إلهيّاً وفرعاً شبيهاً بالنبوّة في مجالي المحدود ومحلّ دائرة إرشادي وتبليغي ، وكنتُ أعتبر نفسي لحدّ الآن مسؤولًا ملتزماً لأمر الله بأنّ الجميع يجب أن يُربّوا ويُنذروا ، وأن يعتبر الجميع كلماتي ونصائحي ومواعظي نابعة من قول الله ، عليهم أن يعملوا لتطبيقها . فما الذي حدث كي يخرج هذا الرجل الان ويتخلّى عن تلك المسؤوليّة والالتزام ؟ ألم يكن من الأفضل أن يبقى هذا الرجل منضوياً في هذا الصفّ وأن يبقى الجميع - حسنهم وسيّئهم - يؤدّون أعمالهم ووظائفهم ، عسى أن تشملنا رحمة الله جميعاً ؟ عجباً ! فهذا هو الأسلوب الأفضل والطريقة المثلى والقانون الأعلى والحكم الإنسانى الأرفع والأسمى . كانت هذه الآية كالماء القراح المنهمر ، فأخمد النار الملتهبة في الأعماق ، وبدّد مشاعر الحقد والطمع والعجب واستحسان الرأي الشخصيّ وطلب الجاه والمقام التي تتجلّى بغطاء مزيّف من أحاسيس حبّ الاستقلال وعزّة النفس . وكانت هذه الآية أشبه بمشرط جرّاحٍ حاذق يضعه فوق الدُّمَّل فيخرج القيح والأقذار ويستأصلها .
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 61 | السيد محمد حسين الطهراني / حسن إبراهيم