معها أنّ هذه الاحترامات والتجليلات والتكريمات والاستفسارات والوقوف على أهبة الاستعداد ، وإبداء الموافقات كانت تنبع من الصدق والصفاء ، غافلين عن أنّها كانت دكّاناً للارتزاق مقابل الدكاكين الأخرى ، وفخّاً لصيد الدين والعقل ومكارم الأخلاق وشرف الإنسانيّة .
وبقيتُ تلك الليلة في السُّهاد ، لم تذق عينيّ من النوم إلّا قليلًا ، وفتحت القرآن مرّة أو مرّتين فكانت آيات تتحدّث عن موسى عليه السلام وأذى فرعون وأتباعه ، والدعوة للصبر والاستقامة والثبات .
ما إن بزغت الشمس وانتشر الضياء حتى برق خاطر في القلبي جعلني أتنحّى عمّا عزمت عليه في كشف محتويات الرسالة أمام الناس ؛ وحاكيت نفسي .
إ نّ ما سأنفّذه سيحطّم الطرف الآخر ويستأصله بلا شكّ ، ولكن ألِلّهِ فيه رضا ؟ وهل سيعقب كمالي المعنويّ أم أنّ عاقبته السقوط والانحطاط ؟
استخرت الله وفتحت القرآن ، وإذا بي أمام آية ؛ ويا لها من آية ! حيث كانت .
القرآن يتكشف في آية . وَلَا تَسْتَوِى الحسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِيهِيَ أحْسَنُ
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
« 1 »
قلت . سُبحان الله ، هذا هو إعجاز القرآن ، وهذا هو القرآن الخالد والأقوم ، إنّ الله سبحانه يقول . لا تفكّر بالانتقام ، لا تجزي السيّئة بالسيّئة ، فإنّ طريق تعليم النفوس وتربيتها هو الصبر والتحمّل أمام الصعاب
هامش
( 1 ) - الآيات 34 إلى 36 ، من السورة 41 . فصّلت .