فلو فرضنا مثلًا أنّ فتاة وفتى قد وُضعا في جزيرة معزولة لا يتّصل بهما أحد من البشر ، ولم يكن أي منهما قد قرأ كتاباً أو سمع خطبة ، ووصلا إلى مرحلة البلوغ ، فإنّهما لن يفهما أو يدركا معنى الزواج والجماع أبداً ، ولو قُدّر أن يبقيا على تلك الجزيرة حتى يهرما ويشيبا لبقيا يعيشان كأخوينِ أو كاختينِ .
لذا فإنّ الزواج والنكاح يحتاج حتماً إلى إشارة ودلالة ، وهكذا بالنسبة للغضب وبروز قوّته ، ولو لم يُعلِّم الغراب طريق القتل والدفن لقابيل لما كان له خبر وعلم عن قتل أخيه هابيل ودفنه ، فلا دليل له إلى هذا الموضوع .
ونحن إذا ما رغّبنا النفس الإنسانيّة بأمر معيَّن لمالت إليه ورغبت فيه ؛ فلو امتدحنا كنز المال وجمعه لمالت إلى ذلك وشغفت به ، ولو عكسنا الأمر فرغّبناها بالبذل والإنفاق لأنفقت أموالها جميعاً ثمّ جلست في زاوية عارية ليس لديها حتى ما يستر عورتها .
ولو تحدّثتَ معها عن الدنيا ومباهجها ، وعن النشاطات الاقتصاديّة ، والاعتماد على النفس ، وفوائد الجاه وحبّ الرياسة ، وجمع المال وكنزه ، ومصاحبة الغواني ، والترنّم بالأغاني ، لوجدتَ أمامك بشراً شهويّاً وغولًا مادّيّاً مهيباً .
ولو بيّنتَ لهذا الشخص نفسه - لا لغيره - فناء الدنيا واعتباريّتها ، وأنّ السعي يجب ألّا يكون إلّا في سبيل الله ، وعن مساوئ الرئاسة ، وكنز الذهب والتزوير والاحتيال ، لصار أمامك بشراً ملكوتيّاً وملَكلًا سماويّاً .
فحيناً يذهب إلى سجِّين وأسفَل السَّافِلِينَ ، وحيناً يرقى إثر التربية إلى أعْلَى عِلِّيِّينَ .
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 278
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٧٨