وصارت قدوة في ذلك المجال ، فلو عُلِّمت الطبّ لصارت طبيباً حاذقاً ، ولو عُلّمت تلك النفس في مجال الأدب لتمخّضت عن أديب خطيب وشاعر بارع ، ولو تمرّنت في مجال الرياضيّات التي تقابل الأدبيّات ( حيث تحتاج الأخيرة لقدرة حفظ أكثر في حين تستلزم الأولى قوّة الفكر والمنطق ) لصارت عالماً في الحساب والرياضيّات ؛ ولو اتّجه هذا الشخص نفسه في حقل النجارة لصار نجّاراً ماهراً ، أو في الحدادة لنشأ حدّاداً يُشار إليه بالبنان ، أو في مجال حفر الآبار لتخصّص في ذلك وتعلّم أسراره .
نعم ، لو اتّجه هذا الشخص المذكور ذا النفس الإنسانيّة للبحث عن الأسرار الإلهيّة والمعارف إلى قينيّة لصار حكيماً وفيلسوفاً وعارفاً جليل المنزلة ، أو لو اشتغل بعلم الحديث فقط لصار محدّثاً خبيراً ، ولو انهمك في علم التفسير لنشأ مفسّراً ذا مقام مرموق ، ولو درس الفقه لتكشّف عن فقيه كبير .
وعلى العكس من ذلك ، فلو لم يكن في مقام تحصيل علم من العلوم ، فإنّ قابليّاته ستقف وتتحدّد في هذا الإطار والموضع ، فإذا تبع قواه الشهويّة صار السبّاق إلى ركوب الشهوات المبرّز فيها ، ولو تبع قواه الغضبيّة لنشأ سفّاكاً عجيباً وسفّاحاً للدماء لا نظير له ، ولو انهمك في تقوية قواه الوهميّة لصار شيطاناً كبيراً ومحتالًا ظالماً يسعى بأنواع المكر والحيل والمكائد وإراقة دماء الكثيرين على وجه الأرض لسلب راحة الناس وزعزعة الهدوء والاستقرار العامّ ، ثمّ يخلد إلى فراشه يرقب ويتفرّج .
وخلاصة القول في معنى هيولائيّة النفس أنّها لو عُلّمت ودُرِّبت في علمٍ معين ، أو أدخلت عالماً معيّناً ، فإنّها ستتمرّس وتكتسب الخبرة ، وإلّا فإنّ هذه القابليّة لن تصل بنفسها إلى مرحلة الفعليّة ولو مرّ عليها مائة ألف عامّ ، بل ستبقى كما هي مبهمة بسيطة بكراً .
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت — صفحة 277
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٧٧